خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

المغتربون: ضياع الوطن والشتات

تعد قضية الاغتراب والشتات واحدةً من أبرز القضايا في عصرنا الحالي لكثرة حدوثها من ناحية، ولتأثيرها على فئات متعددة بشكل مؤثر وسلبي من ناحية ثانية. وتظهر تلك الظاهرة الخطيرة باعتبارها نتيجة ظواهر أخرى أكثر سوءًا وأشد ألمًا، مثل الحروب، والكوارث الطبيعية، الفقر والمجاعات،  المشاكل السياسية الطاحنة، عوامل التهجير القسري، البحث عن الذات في مكان آخرإلخ. وكلها عوامل جبرية ولا تترك للإنسان خيارًا، فيندفع في طريق مجهول إلى عالم آخر عله يجد بغيته ويستقر في مكانه آمن وبه سبل الحياة.

تعد عملية الشتات صعبة بكل تأكيد فهي تحمل في طياتها ضياع الوطن، والبحث عن مكان جديد، ولا يعد ذلك أمرًا سهلاً على الإطلاق، فهي رحلة من العذاب الممزوج بالألم، وخاصة الألم على مفارقة الأهل والأحباب، وعلى مفارقة أرض الطفولة، ومفارقة الوطن الكبير، وقد يخسر الإنسان في رحلته كل شيء أمامه، قد يخسر بيته وماله، وقد يخرج من الحرب بلا شيء حتى عياله يفقده، وتلك مرارة لا يوازيها شيء.

يحيا المغترب حياة مرهقة في غربته التي ذهب إليها، فهو غريب هناك لا يعرفه أحد، وهو يتحسس المكان الجديد دون مال أو قوة أو سند، ضياع في ضياع، لا شيء يقوي عزيمته سوى الصبر والتحمل. عليه أن يجابه الأخطار ويتخطى الصعاب حتى يستطيع أن ينجو من تلك المحنة، فمحنة الاغتراب لا يوازيها شيء، لأنها نوع خاص من الألم والمعاناة المستمرة، حتى إذا ما استقر الإنسان ووجد العيش المناسب، عاوده شعوره بأهله ووطنه وجرت أمام عينيه الذكريات سريعة خاطفة، فيتمنى العودة إلى وطنه حتى لو كلفه ذلك حياته.

ازدياد المغتربين في الفترة الأخيرة دليل على فقدان العالم لتوازنه، فقد أصبحت الحرب سواء في ليبيا أو سوريا أو اليمن أو على فترات في العراق وفي مناطق متفرقة، من الدوافع القوية لشتات نسبة كبيرة من السكان وضياعهم عن أوطانهم. كما كان للأوضاع الاقتصادية الصعبة في بعض الدول تأثيرًا كبيرًا في تحول نسبة من السكان إلى مغتربين فارين يبحثون عن سبل الحياة الكريمة. وفي الإطار ذاته تلعب الأجواء السياسية عاملاً آخر في فرض الاغتراب الجبري على عدد من المعارضين السياسيين والذين إن لم يرحلوا عن أوطانهم أُخذوا إلى السجن، مما يجعل هؤلاء الناس يحيون في بيئة أخرى غير بيئتهم التي نشأوا فيها، ويعتبرون بكل حال من الأحوال أفضل حالاً عمن بقي في أرض الوطن، على الرغم من أن كلاً منهما يواجه نوعًا من الضياع وإن كان بشكل مختلف، فالأول يحن إلى وطنه ويحيا غريبًا عنه، والثاني مكبل في وطنه يتشوف إلى الحرية، فكلاهما يمثل الاغتراب والنفي في صورة ما.

إن قضية الاغتراب تلك من أكثر القضايا إلحاحًا نظرًا لما نعيشه اليوم في فرضيات جديدة على أرض الواقع، فالإنسان الذي يعمل خارج وطنه يشعر بالاغتراب، وقد أخذت فكرة العمل خارج نطاق الدولة حيزًا كبيرًا من الناس في بعض الدول. فعلى سبيل المثال مصر، إذ يعمل عدد كبير من أبنائها خارج الوطن، ويقدر العدد بين حين وآخر بأكثر من 12 مليون إنسان، وهي نسبة كبيرة بلا شكل، وهذا أمر يدل على فرض العوامل الاقتصادية هيمنتها في فرض نوع من الاغتراب.

منذ مدة ليست بالكثيرة تم الكشف عن أطول مدة قضاها مغترب متشردًا في البراري وحول الطرق السريعة، حيث وجد شخص في إيطاليا يعود بأصله إلى ليبيا، مكث هناك مدة عشرين سنة يجول في مناطق لا يسكنها أحد، ويعتمد في أكله على الصيد وبعض الطعام الذي يلقيه الناس له من نوافذ سياراتهم، ولذا اختار بعض الطرق السريعة وأقام كوخًا له تحت شجرة، وظل هكذا إلى أن تواصلت السلطات في إيطاليا مع سفارة بلده، وتمت إعادته إلى ليبيا.