الملحمة غير المكتملة في العصر الجاهلي

ثقافة 20 Ramadan 1442 AH محمود أبوقورة
الملحمة غير المكتملة الجاهلي
Photo by Mathias P.R. Reding from Pexels

الملحمة الجاهلية غير المكتملة واتخاذها الشكل المتعارف عليه الآن ورائها أسباب كثيرة نحاول استعراضها هنا. ولكن يكفي أن الشعر العربي عبر تاريخه الطويل والممتد، لم يخلُ من أثر للنزعة الملحمية. فقد ظهر الشعر الملحمي بصورته غير المكتملة بين القبائل قبل الإسلام، فقد كانت تسيطر على الشعر حينها روح الصراع والقتال والتتابع التاريخي لقصص الأبطال.

أسباب وراء الملحمة غير المكتملة

يقول النقاد إن الأدب الجاهلي لم يستطع أن ينتج ملحمة مكتملة الأركان سوى في نماذج قليلة من القصائد والمقطوعات المتناثرة ذات النزعة الملحمية. وهم يعزون ذلك إلى مجموعة من الأسباب يتمثل أبرزها فيما يلي:

أولاً: الاعتماد على الإيجاز بدلاً من السرد

 تحتاج الملحمة إلى شكل قصصي لكي تُصاغ فيه، والشعر الجاهلي في جملته يعتمد على الإيجاز والإخبار السريع عن الأحداث دون الإسهاب في السرد وتتبع الحدث. وقد درج الأدباء الجاهليون على إنتاج شعر يعتمد على التلميح وذكر الأخبار البسيطة. ومن ثم كانت القصة بمضمونها الحديث غير متوافرة لديهم، مما جعل الإنتاج الملحمي قليلاً للغاية.

ثانيًا: تأثير البيئة على خيالهم

فالشعراء الجاهليون عاشوا في منطقة جغرافية معينة، تدور فيها أغلب مناشط حياتهم، إنها البادية التي تتشابه فيها الصور والمناظر. كما أن روحانياتهم كانت عالية وتطغى على أي شيء آخر، وقد ولدت تلك الحياة في نفوسهم حب القبيلة والأسرة الوحدة، ولم تظهر لديهم النزعة القومية والاجتماعية، مما أثر في النهاية على خيالهم. ولم يبدعوا في الإطار الملحمي بالشكل الأمثل.

ثالثًا: بسبب اعتبارات عقائدية واجتماعية

إذ لم تساعدهم حياتهم المتنقلة والقلقة على التأمل الطويل وترابط الأفكار وإفساح المجال للخيال، لأن حياتهم كانت مضطربة وتسلك مسارًا متنقلاً عبر الرحيل والتنقل. ولذا جاء شعرهم معبرًا عن حياتهم، ولغتهم ممتزجة بما يعايشونه. إضافة إلى أن مجمل ما كُتِب عن العصر الجاهلي يعود لمائة سنة قبل الإسلام أو مائة وخمسين سنة على أكثر تقدير. وعلى وجه الدقة بين عام 500 م إلى 622 م. وقد وصلتنا هذه الآداب والأحداث الجاهلية عبر الرواة والنقوش والأخبار المبعثرة من هنا وهناك. بما يعني أن هناك كثيرًا من القصائد التي لم تصلنا، والتي يمكن أن تتحقق فيها صفة الملحمية.

رابعًا: رؤية الشاعر الجاهلي للطبيعة

إذ سيطرة عليه المدركات التي يراها أمامه، ولم يستطع أن ينظر إلى ما وراء الطبيعة وما تحويه من أحداث وكائنات. أو إلى مرحلة ما بعد الممات، وقد جعلته الطبيعة الصحراوية يهتم بتصورات محدودة واعتقادات خاصة. كما أن الأسطورة كانت محركًا لأفكارهم ورؤاهم. فألهمتهم الشعر وجعلتهم مولعين بهذا الشكل الأثير. كما أثرت البادية عليهم وميزتهم بخصائها الفريدة، فجاء شعرهم دقيقًا في وصف المرئيات، وشاملاً لمناحي الحياة.

خامسًا: قدرتهم على توليد الخرافة والأسطورة

حيث كان الشعراء الجاهليون قادرين على توليد الخرافة والأسطورة بشكل تصوري، فقد استرجعوا التجارب والذكريات، وتصوروا الأشياء. واستطاعوا تكوين الصور الشعرية المحسوسة والمادية. ورغم ذلك فقد كان لديهم خلط دائم بين معنى القضاء والقدر ومعنى الدهر. وقد تطورت تلك الجدلية عندهم بما أخضعهم في النهاية لسلطة الأوثان. أما غاية الخلود لديهم فقد ارتبطت بنوع من الأسطورة، حيث قالوا ببقاء سبعة نسور على قيد الحياة، وجعلوا للدهر نسرًا أسموه “لبد”.

إن الملحمة في العصر الجاهلي لم تأتِ مكتملة، لأن الشعراء ببساطة قد عبّروا عن واقع حياتهم وأسلوب عيشهم. ولا يمكن أن نقدم لهم نقدًا لاذعًا لأنهم لم يكتبوا في فرع من الفروع، أو لم يتميزوا في اتجاه شعري بعينهم، بل أن ما يشغلنا حقًّا أن نحلل الظاهرة الشعرية في العصر الجاهلي. وأن نضطلع على الأسباب التي حالت بينهم وبين التميز في اتجاه بعينه، وأن نعمق النظرة التحليلية الواعية لفهم قضايا شعرهم ومضامينه الفنية والأسلوبية.

الكاتب: محمود حنفي أبوقُورة

باحث أكاديمي