الملك المغولي “أورنكزيب عالمكير”

mhrezaa-oydOFpht1QU-unsplash
Mhrezaa Oyd-Unsplash

لكل زمن أبطاله ورجاله، ويصدق هذا الكلام على الملك المغولي المسلم السلطان أبو المظفر محيي الدين محمد أورنكزيب عالمكير بن شاه جهان، أحد أهم حكماء دولة الهند المغولية السنية، والتي حكمت المسلمين في القرن الرابع عشر الميلادي، وهو أحد عمالقة الإسلام، أذلّ الكفرَ وزلزل الطغيان، وقوض عرش أهل الإلحاد، وحارب الفساد وأهله.

  كانت ولادته في مدينة الكجرات بالهند في سنة 1028 هـ، ونشأ في بيت عزّ وترف وشرف، أظهر منذ صغره علامات الجد والإقبال على الدين والبعد عن الترف والملذات، وكان فارسًا شجاعًا، ترعرع محبًّا لأهل السنة على مذهب الإمامأبي حنيفة، ومحبًّا للشعر فكان شاعرًا، ونشأ محبًّا للخط فكان خطاطًا بارعًا، وتعلم اللغة العربية والفارسية والتركية.

قاد الجيوش بنفسه في عهد أبيه، فقمع الثورات وطهر البلاد وأظهر في الأرض العدل، وكانت له هيبة وسَمْت الملوك، وظل الأمر كذلك حتى كانت وفاة أمهممتاز محلوالتي بوفاتها انشغل والده السلطان شاه جهان ببناء مقبرة يخلد فيها ذكراها، وصرف لذلك الأموال وحمل الناس على العمل الشاق، فأُهملت السلطنة وظهرت بوادر الفتن والثورات. وبعد وفاة والده واستئثار أخيه الأكبر بالسلطنة، وانشغاله بالدنيا وملذاتها، تولّى عرش الهندستان بعد حروب طويلة مع إخوته، وأخذ في إصلاح آثار الحروب وتعويض الأهالي عما أصابهم من شر.

قضى معظم سنوات حكمه في إقرار السلام في سلطنته الواسعة، وفي محاربة الهندوس ونشر الإسلام بينهم، وتمكن من استعادة إقليمي آسام والبنغال، وثار عليه أعداؤه من الهندوس وقبائل البطهان والأفغان ولم يتغلب على هذه الثورات إلا بعد حروب طويلة، فتم له النصر عليهم تمامًا في قرابة 1110 هـ. وكان يحكم الهند عن طريق جعل أقاليمها إمارات تابعة له، وحوّل شبه القارة الهندية إلى ولاية مغولية إسلامية تحت قيادة واحدة.

أبطل ثمانين نوعًا من الضرائب على المسلمين، وقد أقام المساجد والحمامات والخاناقات (أماكن للانقطاع للعبادة) والمدارس والبيمارستانات، وأصلح الطرق وبنى الحدائق، وأصبحت دلهي في عهده حاضرة الدنيا، كما أظهر تمسكه بالإسلام والتزامه بشرائعه، فأبطل الاحتفال بالأعياد الوثنية كعيد النيروز، ومنع عادة تقبيل الأرض بين يديه والانحناء له، ومنع الخطب الطويلة التي تقال لتحية السلطان، واكتفى بتحية الإسلام، ومنع دخول الخمر إلى بلاده، وصرف أهل الموسيقى والغناء عن بلاطه ومنع الغناء.

كان صاحب عبادة يصوم الاثنين والخميس والجمعة من كل أسبوع ولا يتركها أبدًا، ويأبى إلا أن يصلي الفرائض كلها في وقتها جماعة مع المسلمين، وكان يصلي التراويح إمامًا بالمسلمين، ويعتكف العشر الأواخر بالمسجد، وقبل هذا فقد حفظ القرآن كله بعدما أصبح سلطانًا، فكان أعظم ملوك الدنيا في عصره.

قال عنه الشيخ الأديب على الطنطاوي رحمه الله: ووفق إلى أمرين لم يسبقه إليهما أحد من ملوك المسلمين، الأول: أنه لم يكن يعطي عالمًا عطيّة أو راتبًا إلا طالبه بعمل كتأليف أو تدريس لئلا يأخذ المال ويتكاسل فيكون قد جمع بين الشيئين: أخذ المال بلا حق وكتمان العلم. والثاني: أنه أول من عمل على تدوين الأحكام الشرعية في كتاب واحد على المذهب الحنفي، فأمر بتأليف الكتاب تحت نظره وإشرافه، واشتهر الكتاب باسم الفتوى الهندية أو الفتوى العالمكيرية ويعرفه كل طلبة العلم.

وبعد أن بلغ من العمر ما يزيد على تسعين عامًا، قضاها في الجهاد والعدل والعبادة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، توفي في 18/11/1118 هـ، وحين حضرته الوفاة أوصى بأن يُدفن في أقرب مقابر المسلمين وألا يعدو ثمن كفنه خمس روبيات وحسب. لم يرد الخيلاء وهو على فراش الموت، ولم تبهره الدنيا حيًّا وميتًا، أخلص النية لله، فكانت ذكراه فواحة وتاريخه مشرف شهد به القاصي والداني.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!