خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

المنجيات الثلاث والمهلكات الثلاث

ID 99687960 © Hayati Kayhan | Dreamstime.com

من الأحاديث الجامعة- وكل كلام النبي صلى الله عليه وسلم جامع وشامل- ذلك الحديث الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم: “ثلاثٌ مُهلِكاتٌ، وثلاثٌ مُنْجِياتٌ، فقال: ثلاثٌ مُهلِكاتٌ: شُحٌّ مُطاعٌ، وهوًى مُتَّبَعٌ، وإعجابُ المرءِ بنفسِه. وثلاثٌ مُنجِياتٌ: خشيةُ اللهِ في السرِّ والعلانيةِ، والقصدُ في الفقرِ والغِنى، والعدلُ في الغضبِ والرِّضا”. (الألباني، والحديث حسن)، فيا لهذا الكلام من جمال وكمال، فالنبي صلى الله عليه وسلم، يحذرنا من ثلاث مهلكات، حتى تبتعد عن هلاكها، وينبهنا إلى ثلاث أخرى منجيات علنا نأخذ بها فننجو. ولنبدأ مع الثلاث المنجيات أولاً من باب البشر والتفاؤل وبث الحماسة في النفوس.

المنجية الأولى: تقوى الله في السر والعلانية: إذ إنها ملاك الأمور، من خلالها نحصل الخير وندفع الشر، وهي مراقبة لله تعالى على طول الطريق، مع المعرفة به واليقين في قربه، فيحدث الحياء منه في أن يراك عاصيًا، تأتي ما نهاك عنه أو ما يقربك منه سبحانه.

المنجية الثانية: قول الحق في الغضب والرضا: وهي إشارة للصدق وحسن التحكم في المشاعر وضبط النفس، حيث هي برهان الإيمان، لأن العبد يقوم بقهر الغضب وكبت الشهوة، فلا يخرجانه عن الحق والصواب مهما كانت الحال، فهو يلتزم الصدق في كل أفعاله وأقواله، مبتعدًا عن الباطل وسبله.

المنجية الثالثة: القصد في الفقر والغنى: هو حسن التدبير مع قوة العقل، فلا إسراف ولا تبذير، هناك اعتدال في القصد في كل شيء، وذلك امتثالاً لأمر الله تعالى، وأخذًا بقوله: “وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا”. (سورة الفرقان: 67)، ولقد جمعت تلك الثلاث كل الأمور المتعلقة بحق الله أو حق العباد أو حق النفس، ولذا فقد فاز صاحبها لأنه استطاع تجاوز تلك الأمور وأصبح من الراشدين المهتدين. وتأتي بعد ذلك الثلاث المهلكات، وهي:

المهلكة الأولى: هوى متبع: وهو طريق محفوف بالأهوال فيه اندفاع إلى الشهوة، وميل إلى الأهواء، ومطاوعة لنفثات الشيطان، بما يهوي بالعبد عن الصراط والطريق القويم، ولذا كان اتباع الهوى من أكبر المهلكات، قال تعالى: “فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ”. (سورة القصص: 50)

المُهلكة الثانية: الشُح المطاع: وهو شيء يترسخ في النفس فيؤذيها، لأنه يحمل على سيئ الأخلاق، ألا وهو البخل وحرمان الحقوق، ويكون سببًا في قطيعة الأرحام والتباعد الاجتماعي والمودة بين الناس، إنه خلق ذميم يدعو إلى كل رذيل، وينهى عن كل فضل وجود، يقول الله تعالى: “وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ”. (سورة الحشر: 9)

المهلكة الثالثة: إعجاب المرء بنفسه: وهو الغرور والكِبر والزهو، والعجب بادرة كل سيئ في الخلق والدين، لذا كان من أعظم المهلكات التي تودي بالعبد، فإذا شعر العبد بالزهو وقف في الريبة ولم يكن عمله خالصًا لوجه الله، وربما تطاول على خلق الله، فأفسد دنياه وآخرته.

وتلك الثلاث المهلكات تصيب العبد في مقتل، وتودي به إلى الجحيم، ومن اتصف بها فقد باء بغضب الله تعالى، ولذا وجب أن نحذرها جميعًا: “الهوى المتبع، والشح المطاع، والعُجب بالنفس”، لكي نرضي الله تعالى ونكون من المفلحين، فهنيئًا لمن: اتبع ما أمره الله به من الحق، ومن وقاه الله شُحّ نفسه، ومن عرف حقيقة نفسه فلم يغتر وخفض جناحه للمؤمنين. لقد فاز فوزًا عظيمًا من استطاع إدراك تلك الثلاث، وقد خاب وخسر من وقع في مهلكة من تلك المهلكات، نجانا الله وإياكم منها.