خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

المنفى وأثره في الشعر الحديث

ID 39249376 © Matthiase | Dreamstime.com
Fotoğraf: ID 39249376 © Matthiase | Dreamstime.com

يعد المنفى ظاهرةً ملفتةً للنظرة وخاصة عن الشعراء المحدثين، فقد أصبح عبئًا ثقيلاً يلف شعرهم ويسيطر عليه، ذلك أن أغلبهم تعرض للنفي والشتات والاغتراب، ومن عاش منهم داخل وطنه تعرض لمحنة ربما تفوق محنة النفي والاستلاب. والنفي يولد في النفس حسرة ومرارة لا تقدر بحال من الأحوال، فهو داء عضال، تذوقه شعراء عديدون في وطننا العربي، ابتداء من أحمد شوقي، والسياب، والبياتي، ومظفر النواب، وأحمد مطر، وميخائيل نعيمة، وجميع شعراء المهجر، وغيرهم.

أثرت الظروف الاجتماعية والسياسية في عملية إقصاء الشعراء، فكل من عارض شكلا سياسي في بلده إما أن يسجن، أو ينفى، أو يسجن ثم ينفى بعد ذلك، كما ساندت الظروف الاقتصادية في تهجير عدد منهم بحثًا عن لقمة العيش، وحتى لا يكتوي بنار السلطة في بلده.

ويتشكل شعر المنفى من خلال طبيعة خاصة به، فنجد صوره عميقة ومؤثرة، لأنها خرجت عن وضعية إبعاد قسري عن الوطن، والذي يلوح أمام ناظريه في كل حين، وكأنه جنة الله على الأرض، إن فكرة الجبر هنا تشكل كل شيء بلون خاص بها، فلا يتبقى من الشاعر إلا كلماته التي ينطق بها. ويكون شعره فريدًا عن غيره، لأنه ولد في غير تربته الوطنية التي نشأ فيه الشاعر، ولعل هذا ما يكسب شعراء المنفى مكانتهم الشعرية وجودتهم الفنية.

يتميز شعر المنفي بمجموعة من الخصائص، أولها: الحنين إلى الماضي، فالشاعر يشعر بأن ماضيه هو أساس حياته، وهو السند في تلك المحنة التي يمر بها، ويكثر من الأمنيات ويتمنى عودة الماضي لحظة، ويظهر الماضي أمامه بكل ما فيه من نكد بوصفه شيئًا خياليًا رائعًا. وثانيًا: التركيز على الأحداث القصص الواقعية التي مرت به فيما مضى وبثها في شعره، وذلك بعض التفاصيل البسيطة التي تذكره بالماضي وأحداثه. ويغدو الشاعر في منفاه واضحًا ومباشرًا وفي الوقت نفسه عميقًا لأنه أضحى في وضعية جديدة جعلته يرى ما لم يكن يعرفه من قبل، فنراه يذكر الأسماء والشخصيات والدلالات الأكثر مصداقية وصراحة، بدلا من العبارات الخيالية التي كان يستخدمها سابقًا.

إضافة إلى أن الصورة الشعرية لشعراء المنفى تميزت بشكل خاص بالرمز الشعري، سواء الصريح من ذكرهم للأشياء الدالة على مفهوم معين (شجرة الزيتون مثلا)، أو الضمني كأن يرمز للنفي بالليل الطويل، أو الظلام الدامس، أو بالضياع والتشتت. أما الصورة الموسيقية فإنها تأتي عندهم بشكل مؤثر وجذاب، لأنهم أرادوا أن يبرزوا نبرة الحزن والوحدة في شعرهم فاختاروا لها أوزانًا تناسبها، إضافة إلى إضافة لون من الموسيقى الداخلية الخاصة بالسجع والجناس والتصريع والمطابقة، الأمر الذي جعل القصيدة مشعة بشيء من الجمال الفني الذي يلمس قلب القارئ وتجعله يتساءل عن طبيعة شعور صاحبها.

إن أغلب شعراء المنفى قد كتبوا قصائد مؤثرة في منفاهم، وبعضهم كتب دواوين شعرية مكتملة، فشاعر مثل أحمد شوقي كتب واحدة من أفضل قصائده وهو في منفاه بالأندلس في إسبانيا، وهي قصيد عُرفت باسم غربة وحنين، وفيها يذكر شوقي بأنه لم ينس بلده يومًا، وأنه يتمنى الرجوع مثل الطائر الذي يود الرجوع إلى عشه، ويذكر أسماء عدة تذكره بوطنه مصر مثل: عين شمس وهو مكانه الذي كان يحيا فيه، ويذكر كذلك فنار الإسكندرية الذي ينير للسفن ليلاً، بما يدل على تمنى العودة، كما يذكر منطقة المكس في الإسكندرية حيث يمكن للسفينة أن ترسو هناك، ويصل شوقي إلى أبلغ عباراته في قصيدته حين يتمنى الخلد في وطنه عن الخلد في الجنة، والمعنى هنا ليس منطقيًا ولكنه يأتي على سبيل المبالغة.

إن شعراء المنفى مبهرون بما لديهم من مخزون وحس فني وتجربة صادقة وموحية.