خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

محمد علاء يكتب: المهاجرون إلي الله

dreamstime_s_119113941

علي مرفأ الدنيا يأتي المهاجرون إلى الله بكل طباعهم فتتصارع وتتهالك على ما ترضاه وتهواه، ولا تتساوى النفوس في ذلك إطلاقا، فنفس كل همها الآخرة، ونفس كل همها الدنيا، ونفس مشتتة ما بين دنياها وآخرتها، وتبدأ معركة الحياة، حتى ترى النفوس ببحور شتى لا ترسى على شاطئ إلا بمعاناة وشقاء.

الإنسان والشقاء

 لا راحة في رحلة الدنيا ولا هدوء، ما بين صخب وسجال، وهدوء واطمئنان، ما بين الأقوال، والآراء واختلاف المذاهب والمعتقدات، نغرق بجوف الإعصار، باحثين عن الحقيقة، وعن الذات باحثين عن طوق نجاة لأننا بداخلنا نعلم أن هذه الحياة ليست لنا.

النفس مخيرة بدنياها ولها ما تشاء، وتستقر على ما تراه الخير بالنسبة لها، والحقيقة متفاوتة إلا أن هناك حقيقة واحدة وهي طوق نجاة النفوس بهذه الطرق والمسالك، فمسلك الحقيقة التي لا مفر منها هو أن الدنيا بكل ألوانها وأشكالها زائلة فانية، لا خلود فيها ولا دوام، ولا راحة دائمة ولا استقرار، فهي متقلبة إلى أن يأتي أجل مسمى للذين أدركوا معناها وفهموا. (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ) سورة آل عمران، 185

المهاجرون إلى الله

من يدرك الحقيقة منها وتستقر لديه يوفر على نفسه الكثير من العناء والشقاء، ويعلم أن هناك رحلة سوف تنتهي، وأن هناك ميعاد للرحيل، ثم حياة أخرى تنتظر، حياة أبدية، حياة نعيم وخلود أبدي، أو عذاب وخلود أبدي، ولتختار لنفسك ما تريد، وما تسعي إليه يكون لك، إنهم المهاجرون إلى الله .

من كلمات الإمام علي رضي الله عنه يقول في وصف الدنيا:

النَفسُ تَبكي عَلى الدُنيا وَقَد عَلِمَت

 إِنَّ السَلامَةَ فيها تَركُ ما فيها

 ‏لا دارَ لِلمَرءِ بَعدَ المَوتِ يَسكُنُها

 ‏ إِلّا الَّتي كانَ قَبلَ المَوتِ بانيها

هجرة النفس

ونرى المهاجرون إلى الله ، أولئك الذين اختاروا ما عنده وما فضله للناس، فارتحلوا وهاجروا مغادرين لهو ومتاع الدنيا الزائل إلي غاية أسمي، وأرقى وهي رضى الله عليهم، فسلكوا طريقا واحدا إلى ربهم، وهناك من غرته الدنيا فسعي إليها طامعا فيها، يأخذ منها ولا يشبع، طامعا في المزيد، حتي صنع لنفسه أصناما يعبدها، ويقدسها، ويهواها، فصنع من المال صنما قدسه، وغرق فيه، وصنع من متاع الدنيا صنما يقدس ألوانه واشكالها، وصنع من الشهرة صنما، واغتر بما لديه حتي عمي عن طريق الذين هاجروا إلى ربهم الذين عرفوا الله وقدروه حق قدره.

﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: 20].

عرفوا أن الدنيا اختبار في العطاء والبذل والتضحية، اختبار في الرحمة والعون والخير، اختبار في اتباع القوانين والنواميس الإلهية التي لا تنحرف أبدا عن الصراط المستقيم، اختبار العمل الصالح والنافع للناس.

والفتن لا يمكن أن تسلم منها، فكيف تختبر وتظهر حقيقتك الا بالتعرض لفتنة، نحن نغربل لنخرج أسوأ ما فينا أو أطيب ما لدينا ودقق معي أخي الكريم في قول الله تعالى

(أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آَمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَـمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَـمَنَّ الْكَاذِبِينَ) من سورة العنكبوت

فالإنسان مهما ظن أنه على صواب فهو مخطئ، إذ لا أحد منا صالح بدرجة الكمال، ولكن نحن نسعى إلى الكمال، نسعى إلى الصلاح، نسعى إلى ترميم نواقصنا.

بقلم: محمد علاء الدين