خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

المواضع التي تباح الغيبة فيها

ID 17523491 © Dirk Ercken | Dreamstime.com

الغيبة خلق سيئ وذميم، ويعد من أكثر الأمور التي تفسد المجتمع وتنغص على الناس حياتهم، كما أنها تذهب الحسنات وتُكثر من السيئات، فتكون بمنزلة الأداة التي تدمر إيمان المرء وتقدح في عقيدته وحسن خلقه. ومع ذلك فهناك حالات محددة يصح للمرء الغيبة فيها، بل تكون واجبة، ونناقش هنا تلك الحالات لنتعرف إلى طبيعتها ومتى تجب الغيبة وتكون محمودة. هناك مواضع تباح فيها الغيبة، وهي:

الموضع الأول: نصح المستشير في النكاح، فإذا طلب الإنسان المقبل على الزواج النصيحة حول شخص ما وجب عرض الأمر، والحديث عن الطرف الثاني بما تعلمه عنه، حتى إن كان في ذلك غيبة، ولذلك لتمكين الطالب من تخييره في الأمر، فإما أن يقبل أو يرفض. يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إذا استنصح أَحَدَكُم أخاه فلينصح له”، وفي رواية أخرى: “يجب عليك أن تخبره بحاله”.

الموضع الثاني: الاستعانة على تغيير المنكر، أي أن نستعين بالغيبة لتغيير بعض المنكرات التي تراها أمامك.

الموضع الثالث: التعريف بشخص ما إذا كان لا يعرف إلا باسمه القبيح كالأعور والأعمش وغير ذلك، فلك أن تقول قال فلان الأعمش فإن أمكن التعريف بغيره فهو أولى من اسمه القبيح.

الموضع الرابع: إذا كنت طالبًا للفتوى، فللمستفي أن يقول للمفتي فلان ظلمني أو غصب مني كذا وفعل كذا، فماذا يجب عليه إذا اشتكى عند الولاة والقضاة.

الموضع الخامس: إذا كان الإنسان لا يتكتم عيبه، كمن يخبر عن نفسه بالعيب كالزنا والفواحش والسرقة وغير ذلك. فيجوز اغتيابه بما تجاهر به لقوله صلى الله عليه وسلم: “لا غيبة في فاسق”، فإن كان نادمًا تائبًا فإنه يحرم اغتيابه. قال الغزالي في أحياء علوم الدين: “لو كان المتجاهل بالفسق عالمًا حرمت غيبته مطلقا لأن الناس إذا سمعوا عنه إنه فعل هانت عندهم الفواحش وجسروا على فعلها”.

ومن كانت عنده بدعة جاز اغتيابه حتى يحذره الناس على فعلته، ويفهم من ذلك أن الإنسان إن كان من أهل البدعة والضلال، جاز التحدث بما يفعل ليحذر الناس منه ومن أفعاله، حتى لا يسقط الآخرون في بدعه ويقتفون أثره دون دليل، فيكون الحديث هنا من باب إيضاح الأمور والحقائق، وليس من باب الغيبة في حد ذاتها.

إن تلك الحالات والمواضع التي ذكرناها سابقًا، تدل على أن الغيبة لم تكن المقصد والمبتغى الذي يحل للناس إتيانه في أمور محددة، ولكن المقصد هو الإصلاح والنصح والإرشاد، بما يدرأ مفسدة كبيرة، ومعصية كبيرة بشيء يسير من قول شيء حقيقي عن امرئ من الناس، فكان هذا الوجه أشبه بالنصح وأقرب إلى تصحيح الخطأ منه إلى ذكر ما يسيء عن الشخص.

ويجب أن نعي أن تلك المواضع إنما تكون محددة ولها شروطها التي ذكرناها وليست مطلقًا لكل من يطلق لسانه في غيبة الآخرين، فالشخص الذي يريد الزواج ويطلب النصيحة لا يمكن الكذب عليه، بل يجب بسط الأمر أمامه وذكر الصالح والطالح معًا فيكون له الاختيار إما القبول وإما الرفض، وكذلك دفع المنكر وتغييره إنما يتطلب منا أن نكون حازمين وإذا اضطرنا الأمر أن نذكر شيئًا من الغيبة فلا بأس ما دام الهدف هو إقرار المصلحة العامة ودرأ المفسدة.

أما الإنسان الذي لا يتكتم عيبه ولا يستطيع أن يخفي شيئًا عما بداخله من شر، فيكشف للناس ما ستره الله عليه، كأن يتباهى بالفواحش التي يقترفها والآثام، وأحيانًا نجد في واقعنا شخصًا يفتخر بعلاقاته النسائية المتعددة، فما الحيلة لإيقاف ذلك سوى التحذير منه بذكر أفعاله كي لا يتبعه الناس، وكذا الأمر بالنسبة للشخص الذي يتسمى باسم فيه عيب مثل: الأعور أو الأعمى، فما الحيلة سوى النداء عليه بما عُرف به وشاع، فلا تكون الغيبة هنا مقصودة بذاتها.