خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الموت البداية أم النهاية؟

قد يتسرب سؤال إلى الأذهان حين نفكر في مصيبة الموت: هل الموت هو البداية أم النهاية؟ ورغم كراهية الإنسان للموت وحبه للبقاء، فإن الموت لا شك واقع على كل البشر، وقد جعله الله آية من آياته، فهو الحي الذي لا يموت.

وهناك أقوال عديدة عن الموت لكنها جميعًا تتحد معًا في إثبات حقيقة الموت باعتباره الشيء الذي يُنهي الحياة الدنيوية الفانية، لكنه في الوقت ذاته يعد الخطوة الأولى نحو الوجود الحقيقي في العالم الآخر، فالإنسان لا بد أن يمر بثلاث مراحل متعاقبة: الأولى: الحياة الدنيا، وهي الحياة التي تبدأ من بداية تشكل الجنين في بطن أمه وتدب فيه الروح، إلى أن يكبر ويشب ثم يهرم ويشيخ ويموت، وبذلك تنتهي تلك المرحلة. وبذلك كان الموت نهاية الحياة الدنيوية، ولكنه ليس نهاية الوجود.

أما المرحلة الثانية فهي الحياة البرزخية؛ وهي تبدأ من موت الإنسان ومروره بسؤال القبر وضمته، وتمتد إلى النفخة المعلنة عن البعث والقيام من اللحود إلى أرض المحشر للحساب. أما المرحلة الثالثة فهي الحياة الدائمة، فالحياة الآخرة لا موت فيها، فينعم أهل الجنة بنصيبهم، ويشقى أهل النار بعذابهم. تلك هي المراحل المتعاقبة التي سيمر بها أي إنسان، سواء علم ذلك أم لم يعلم. ويعتقد بعض الغافلين أن أسوء شيء يمكن أن يحدث للإنسان هو الموت، لأن أقصى ما يخشونه ويخافون منه هو الموت، دون أن يدركوا أن الموت بداية جيدة قد تكون سعيدة إذا سبقها عمل حسن وقرب من الله سبحانه وتعالى.

وإذا نظرنا إلى المجتمعات غير المؤمنة فإننا سنجد أن الموت بالنسبة لهم أمر عظيم، لأنه من وجهة نظرهم يعني الفناء والزوال الكامل، أما الحياة الآخرة فهي مجرد هواجس بالنسبة لهم وليست اعتقادًا قائمًا على يقين ثابت. ومن هنا تعاظمت نظرتهم المادية للحياة، لأنهم رسخوا الاعتقاد بأن حياتهم الدنيا هي المبدأ والمرجع والمآل، وأنها الحياة الوحيدة ولا شيء بعدها، لذا استكثروا من اللذات والشهوات والأموال.

ولو أدركنا حقيقة الحياة الدنيا وأنها دار اختبار لما تعجبنا من الموت، ولعلمنا أن المصائر كلها بيد الله سبحانه وتعالى، وأن الإنسان مجزي بعمله الذي يقوم به، قال تعالى: “وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله كِتَابًا مُّؤَجَّلاً وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا وَسَنَجْزِي الشَّاكِرِينَ”. (سورة آل عمران: 145)، فالموت قريب من كل إنسان على سطح المعمورة، وما هي إلا أيام يحياها الناس على تلك الأرض، فيأتي الموت بصور شتى دون موعد أو استشارة، فيختم للعبد بالخير أو الشر، وهو لا يفرق بين كبير أو صغير، ولا غني ولا فقير، قال تعالى: “أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِ الله وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَـذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلًّ مِّنْ عِندِ الله فَمَا لِهَـؤُلاء الْقَوْمِ لاَ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا” (سورة النساء: 78).

ليست المسألة في موت الإنسان، ولكن المسألة حقًّا في: هل أنت مؤهل للقاء الله تعالى أم لا، فالموت ليس النهاية بل هو البداية الحقيقية للحياة الدائمة، وإذا كان الإنسان يكره الموت، فإن العمل الأكثر أهمية أن يشغل حياته بالطاعة وأن يعمل لما بعد الموت. إن أولئك الذين لا يؤمنون بالآخرة لديهم فهم مشوه عن الموت والحياة التي تبدأ بعده، فالمؤمن رغم اعترافه بمصيبة الموت وحزنه على مَن فقد، فإنه لا شك يوقن في وعد الله تعالى، ويعلم أن الموت أمر واقع على الجميع، وأنه بداية وليس نهاية أبدية، وهو انتقال إلى الحياة الآخرة حيث المأوى والمستقر الدائم، وتحتاج تلك الحياة الدائمة إلى إعمارها بالعمل الصالح في دنيا الاختبار والبلاء، فهذا ما ينفع الناس في موتهم وبعثهم وحشرهم، فمَن قدم خيرًا وجد خيرًا، ومن لم يقدم خيرًا فلا يلومن إلا نفسه.