خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الموريسكيون في الأندلس

Simplicity

يدل مُسمى الموريسكيين على طائفة من الناس كانوا يعيشون في شبه الجزيرة الإيبيريةالأندلسإسبانيا والبرتغال حاليًا، ابتداءً من فتحها على يد طارق بن زياد وإلى غاية سقوط آخر مملكة إسلامية، وهي مملكة غرناطة، وذلك في سنة 897 هـ-1492م. تم اتسع لفظ الموريسكي ليشمل معناه المسلمين الذين بقوا في إسبانيا تحت الحكم النصراني، وذلك بعد سقوط غرناطة وإجبارهم على اعتناق النصرانية.

ورغم أن اتفاقية تسليم غرناطة نصّت على احترام المسيحيين لممتلكات المسلمين ومعتقداتهم واستعمال الشريعة الإسلامية باعتبارها مصدرًا للقضاء، وكفلت للمسلمين حرياتهم ولغتهم كذلك، وتم تعميمها على الأمراء والوزراء والقادة والرهبان والرعية، وقد ذُيل هذا التوكيد بتوقيع الملكين، وأقسم الملك فرناندو والملكة إيزابيلا (زوجته) وسائر من حرروا الشروط، بدينهم وأعراضهم أن يصونوا المعاهدة إلى الأبد وعلى الصورة التي انتهت إليها.

وجاءت المخالفة للاتفاقية حين أصدر الملك فرناندو والملكة إيزابيلا اللذان لم يصدقا في كلامهما، وبضغط من الكنيسة الكاثوليكية كذلك، مراسيم متعددة هدفت إلى اقتلاع الموريسكيين من جذورهم التاريخية، ومنع تداولهم للغة العربية، وصدرت الأوامر بإحراق كميات كبيرة من الكتب العربية وإجبارهم على الأكل في نهار رمضان.

ثم صدر مرسوم لا يرغب في تنصير المسلمين فحسب، بل كان يصبو إلى اقتلاعهم من جذورهم، وتغيير لغتهم إلى القشتالية وإرغامهم للتخلي عن العادات والتقاليد والأسماء العربية وغيرها. ويذكر الباحث الإسباني خيل غريماو أن الهدف من ذلك هو إجبار الموريسكيين على نسيان ثمانية قرون من تاريخهم في شبه الجزيرة الإيبيرية.

ومارست إسبانيا سياسة تهميش شاملة، تمثلت في سنّ قوانين على نحو تدريجي تسلب الموريسكيين تاريخهم، ومن تلك القوانين منع الحمامات العمومية التي اشتهر بها العرب، وفرض ضريبة عالية لكل من أراد أن يلبس على الطريقة العربية، كما كانت الكنيسة ترسل امرأة لحضور عملية الولادة لدى الموريسكيات، حتى لا يتم قراءة الشهادةالأذانفي أذن الوليد، والإبقاء على أبواب المنازل مفتوحة يوم الجمعة، وفي تواريخ الأعياد الإسلامية، وذلك حتى يُراقَبوا في الوقت ذاته عند حلول شهر رمضان، ودعوتهم للأكل وشرب الخمر علانية حتى يظهروا عدم صيامهم، وإنشاء مدارس للموريسكيين في غرناطة والمرية لتعليمهم اللغة الإسبانية وتعاليم النصرانية، كما فُرضت رقابة مشددة على السلاح ومنعوا من حمله إلا بتراخيص من حاكم المدينة أو البلدة، وتم تحويلهم إلى مجرد عاملين في الحقول أو مهن مرفوضة، وذلك بعد أن كانوا أصحاب حضارة وفكر إبداعي وإنساني راقٍ.

وسعى الموريسكيون في إقناع الملوك الإسبانيين التخفيف من القيود، فكانوا يحصلون على تنازلات بعد تأدية ضرائب مرتفعة، لا يلبث أن يتم التراجع عنها بسبب اعتلاء ملك جديد العرش. وأمام الظلم والضغط المتزايدين، ثار الموريسكيون في عدة مدن وبلدات، مما جعل حكام إسبانيا يعتقدون في خطر الموريسكيين، فكان القرار الظالم الذي أصدره فيليب الثالث في 1609م بنفي الموريسكيين، وبدأت رحلة العذاب التي لم يشهد التاريخ مثيلاً لها.

ومنذ تلك اللحظة بدأت محاكم التفتيش تمارس سلطتها، وقد استعملت فيها شتى صنوف العذاب وفنونه، وهُجِّروا باتجاه الشام وتركيا وليبيا، وأساسًا نحو دول المغرب العربي، وبالأخص نحو المغرب نظرًا للقرب الجغرافي، حيث استقبل المغرب أكبر عدد من الموريسكيين المهجرين قسرًا، لذا هو البلد الذي توجد به أكبر نسبة من العائلات الموريسكية، وهناك مدن أندلسية حقيقية مثل تطوان وطنجة وشفشاون.

وفي عام 1992م وبعد خمسة قرون على نكبة التهجير، اعتذر الملك الإسباني السابقخوان كارلوسلليهود الذين هُجّروا من الأندلس، وأصدر قانونًا يتيح لليهود السفارديم من أصل إسباني الحصول على الجنسية تعويضًا عن عملية التهجير التي تعرض لها أجدادهم، مما جعل الموريسكيين المهجرين يطالبون أيضًا بحق الاعتذار، والحصول على الجنسية أُسْوة باليهود، وتعويضًا عما لاقاه أجدادهم في محاكم التفتيش وجرائمها