النشر الأدبي: دلالته وأهم المشكلات التي تعتريه في المغرب العربي

9 Shaban 1442 AH أحمد جمال
مقال رأي
النشر الأدبي
Photo by Masjid Pogung Dalangan on Unsplash

المتابع لمستجدات النشر الأدبي يشهد فوضى قد لا تحتمل التنظيم، حتى وان أراد البعض ذلك. فجانب من الكمِّ الكبير من الإصدارات يجد مكانه بصعوبة على واجهات المكتبات لاعتبارات عديدة؛ أهمها افتقاده لأهم العناصر المجيزة أن يحتل موقعه من النوع الذي يصدر في إطاره. وثانيها: المحتوى الدلالي الذي يتعيّن أن يتوفر عليه والذي كثيرا ما لا يتوفر فيه. بحيث لا يتجاوز كونه عبئا على الاقتصاد الوطني، إذ أن إصدار مؤلف من هذا القبيل. أصبح لا يقاس بما يحمل من دلالات معرفية هو خال منها. بقدر ما يترجم إلى أرقام في سوق الاستهلاك وصيانة الاقتصاد، ومؤلفات هذه ميزتها لا ينتظر منها شيء هام للمجموعة.

دلالة النشر الأدبي

ربما لم تكن الفكرة واضحة حتى الآن، ولنعمل على مزيد توضيحها: فإنتاج الكتب هو دلالة على إنتاج المعرفة والإبداع. والكمُّ إذا ارتفع، فلا شك أنه يفرز كيفا بنسبة قد تكون عالية أو متدنية. ولكن الذي نشهده من إصدارات يكاد جانب منها يخلو من هذا وذاك (الإبداع والمعرفة).

إننا واعون بأنه لا يخلو زمن من وجود بعض ذلك، إلا أن استفحاله يصبح مدعاة للنظر وبحث الأسباب التي وراءه. وحتى لا تكون هذه الكلمة في موقع المسؤول عن إبراز تلك الأسباب فإننا نسارع بالتأكيد على أننا لا نهدف من وراء إثارة الموضوع إلا لفت انتباه جميع الأطراف المعنية بالقطاع الثقافي. كي يُسلَّط الضوء على تلك الأسباب بعد تحديدها والتأكد من تأثيرها، سواء المباشر أو غير المباشر.

وبشكل سريع نحاول الإشارة إلى بعض تلك الأسباب وليس كلها أو حتى أهمها، ونعني بذلك مثلا الرغبة السريعة في النشر الأدبي. فحين كانت هناك دور نشر تتحمل مسؤولية ما تنشره في الساحة، كان المخطوط يقدم إلى خبير أو لجنة من الخبراء لإجازة طبعه. وحتما. فان هذا المسار لا يفرط في أساسيات اللغة ولا في نسبة لا بد منها من المعرفة أو الإبداع، حتى يكون المخطوط قابلا للنشر. هذا الأمر يكاد يختفي تماما في بعض ما ينشر هذه الأيام. فالرغبة أصبحت المعيار الوحيد للنشر أحينا.

تداخل المرامي الاقتصادية

لعل هذه التجربة التي أملتها ظروف تحول البلاد إلى اقتصاد السوق، وباشرها كثيرون دون وعي كامل بمعطياتها. وخاصة ما يمكن أن تقود إليه حرية الفعل الثقافي من نتائج تتفاوت إيجابا وسلبا. هي أيضا وراء هذا التناسل غير المحدد للمطبوعات. ومنها الفاقدة لأسباب وجودها، وعناصر هويتها.

ومن أسباب هذا التناسل أو التكاثر أيضا تساهل عدد من الأقلام التي تسعى إلى تقديم أعمال ضحلة إلى الجمهور. باعتبارها تتوفر على قيمة إبداعية أو معرفية مهمة. يصنفها الواحد منهم أحيانا في مرتبة تتجاوز المحلي والعربي إلى العالمي، وهي في واقع الأمر، محاولات تفتقر إلى أبسط الشروط التي تبوئها تلك المرتبة.

وهذه الظاهرة آخذة في الاستفحال إلى درجة أصبحنا معها نخشى على الإبداع من النضوب، وعلى المعرفة من التآكل لنبقى نردد ما قاله زيد. وما جادت به قريحة عمر تجاه (ما أبدعنا وما وصلنا إليه من مستوى عالمي). والحال أن ما نتحدث عنه ليس إلا الخطوات البسيطة الأولى في دنيا الإنتاج الفكري والثقافي. بحيث لا بد أن نعي أن الأمر يتعدى المجاملات والاخوانيات ورد الجميل المادي إلى تسجيل مواقف فكرية قد تكون مضللة أحيانا. فننخرط فيما عبر عنه الطاهر لبيب بـ”تعليق الدلالة الناتج عن تفكك العلاقة بين الثقافة والمجتمع”.

الأسباب والدوافع عديدة، وتحتاج إلى دراسة متأنية وجادة، قد تفضي إلى نتائج مهمة تحتم أن تتضافر الجهود لتحصل الإفادة منها. فتساعد على تجنيب ثقافتنا متاهات لا طائل من ورائها. ذلك أن انحلال الوسائط -ومنها دور النشر – التي كانت تتدخل لضبط المعنى الاجتماعي (المضمون الفكري هنا) للتعبير الجماعي نتج عنه إسقاط الدلالة المعلقة على غير مدلولاتها. “من هنا كان هذا التسيب اللامحدود وغير المسبوق للمفاهيم: كل يفعل بها ما يشاء ولا راد له”.

 

كتبه: مصطفى مومني

باحث وكاتب تونسي