خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

النقد البناء ودوره في ضبط الحياة

قد يتسبب النقد في دفعك للغضب وجرح مشاعرك، وسرعان ما تشعر بأنك مهان، وتحاول أن تدافع عن نفسك بكل قوتك، فتتبدل شخصيتك وتندفع مهاجمًا الشخص الذي قدم لك هذا النقد، وربما تسببت في مشكلة بسبب ردك الغاضب ومشاعرك السلبية التي انتابتك. فإذا حدث معك ذلك مرةً من قبل، فاعلم أنك لا تحب النقد، ولست مهيّأً له بالشكل المطلوب، وأنه شخصية سلبية تحتاج إلى تطوير في بعض سماتها، لأن النقد مهما كان جارحًا فإنه مفيد في توجيه مسارك، فهو يعرفك بتوجه من يحدثك ومعرفة رأيه، ومنظوره ورؤيته الخاصة.

فالنقد لا سلبيًا في مجمله، ولكن السلبي هي الطريقة التي يوجه بها النقد، فلا يجوز التجريح والسب والشتم من أجل نقل وجهة نظر، بل يجب أن تنقل الفكرة بشكل واضح وبأدب جم وأسلوب يتسم بالعلم، وعرض المسألة بشكل دقيق وصادق، حينها يكون النقد إيجابيًا ومعبرًا عن الحالة التي يتناقش فيها الطرفان. ويجب على الإنسان إن كان ناقدًا أن يتوخى المقصد الذي ينتقد بسببه، أي أن يعي الهدف الذي من خلاله يمكن أن ينتقد، هل هو هدف سامٍ أو بغرض علمي يفيد منه الجميع، أم أن الأمر شخصي فقط ونابع عن الذات، فقد يكون النقد بغرض الانتقام أو انتقاص الطرف الآخر، أو الإساءة إلى الآخرين، وفي تلك الحالة لا يعد نقدًا بل هو شيء من التهكم والسخرية.

ونلمح في النقد القائم على قواعد سليمة مجموعة من الأمور الإيجابية، منها: أولاً: أنه يعين المتلقي على رؤية العيوب التي لم يكن ليراها قط إذا لم يذكره بها أحد، ولذا فإن النقد الجيد هو الذي يسلط الضوء على نقاط الضعف ويبرزها كي يتم تلافيها والابتعاد عنها مستقبلاً، كما أن تلك السلبيات إذا لم يتم إصلاحها والتنبه لها، فإنها ستظل تضغط عليه باستمرار دون أن يعدل من وضعيتها. وثانيًا: أن النقد الجيد يمكنه أيضًا إبراز نقاط القوة لديك، بذلك يعطيك دفقة من الشحنة المعنوية القوية التي تعينك على استكمال الطريق، وتمنحك الطاقة اللازمة لتجاوز السلبيات. فالنقد ليس سلبيًا في مجمله كما يعتقد البعض، بل إنه يحمل الجانب الإيجابي والجانب السلبي معًا، ويعرض الأمرين بإزاء بعضهم بعضًا، وبذلك يتيح لنا الفرصة للتقدم للأمام مع مراعاة النقاط السلبية والتخلص منها.

ثالثًا: أن النقد يمنحنا وجهة نظر جديدة من الآخرين، والذين قد يرون أمورًا لا نراها، فمهما كانت نظرة الإنسان إلى الواقع الذي يحيا فيه، فإن نظرته إلى ذاته وعمله تبقى ناقصة، أو على أقل تقدير لا يستطيع رؤية الأمور بشكل آخر غير الشكل الذي يعرفه عن نفسه. وكم من أشخاص في الواقع استطاعوا التغلب على سلبياتهم من خلال النقد الجيد، فأحسنوا الاستماع لغيرهم وغيّروا من أنفسهم إلى الأفضل، فباتت حياتهم أفضل مما كانت، ومنهم من تقدم في تعليمه ووظيفته أو في تجارته، وأصبح من الذين يشار إليهم بالبنان.

ورابعًا: أن النقد يمنحنا زاوية أخرى لم نكن نراها بأنفسنا، فالإنسان لا يملك نظرة تحيط بكل الجوانب التي تظهر أمامه، بل إن أغلبنا يملك منظورًا واحدًا أو منظورين، ولكنه يكمل باقي الزوايا من رؤية الآخرين ونقدهم وكلامهم. وهناك مثَلٌ جيد في هذا المضمار، فهناك صندوق لها أربع زوايا، فإذا وقفت أمامه رأيت الزاوية التي أمامك، وهناك آخرون يرون زوايا أخرى في الوقت ذاته أنت لا تراها، فيمكنك وصف الزاوية التي أمامك، ولكنك تحتاج إلى أوصاف الآخرين لكي تكتمل الصورة وتصبح أكثر وضوحًا.

إن النقد الجيد له إيجابيات كثيرة، لأنه يدفعك إلى الأمام ويحركك نحو الأفضل، لذا احرص على الإفادة منه في توجيهك بشكل سليم، ولا تندفع غاضبًا منه، بل تقبل الأمور بصدر رحب وغيّر ما يلزم بعد ذلك.