الهزيمة النفسية

huseyin-akuzum-oYgOyUTWf-g-unsplash
Hüseyin Akuzum-Unsplash

تعد الهزيمة النفسية من أخطر الأمراض التي أصابت الأمة الإسلامية خاصة في الآونة الأخيرة، وهي أشدة خطورة من الهزائم العسكرية، لأنها تؤدي إلى تدمير العقول واستعمار القلوب، بما يعني انعدام الأفق أما أي تغيير أو القيام بأي نهضة حقيقية على أرض الواقع. فإذا كان الاستعمار العسكري يحتل الأرض بالقوة والسلاح، فإن الهزيمة النفسية إذا حدثت ضاع كل شيء: الأرض وخيراتها، والعزيمة، والأمل في النصر، مجابهة المحتل.

وتعرّف الهزيمة النفسية بأنها انهزام القلب وضياع الشخصية وانهيارها أمام العدو أو الخصم من قبل دخول المعركة لإحساس التغلب والمنعة التي يحظى بها الخصم، سواء كانت المعركة فكرية أو معرفية، أو حربية، أو أيًا كان نوعها، وعادة ما تكون ناتجة عن الانسحاب من المواجهة والاستسلام عند المنازلة، بسبب من اليأس والقنوت الذي يسيطر على النفس ويعيق حركتها. وإذا كان الاستعمار الحربي يفتت الأمة ويدمر خيراتها، فإنه يعطي الناس الفرصة للعودة مرة أخرى من غفلتهم، فتجتمع العزائم وتقوى الشوكة والمناهضة والكفاح، وفي النهاية لا بد للاحتلال أن يزول. أما الهزيمة النفسية فهي أشد خطورة، لأنها نوع من الاستعمار النفسي الذي يتغلغل داخل نفوس الأمة وأبنائها، من دون أن يدركوا أثره وما يمثله من خطورة بالغة، ودون أن يعرفوا على محمل الحقيقة أنهم مصابون به.

لا يمكن لأمة مهزومة نفسيًا أن تنهض وأن ترتقي بين الأمم، وأن تأخذ مكانها في السلم الحضاري، وكيف لها ذلك وهي ما زالت لم تخرج من خوفها وليلها الطويل الذي تعيشه في صمت مطبق، وكيف يمكن أن نتعايش مع العالم الخارجي ونحن بتلك الصورة التي تحمل في طياتها جرثومة خبيثة تنخر في عظام الأمة، حتى بتنا اليوم لا نفكر حتى في أبجديات التقدم والتطور، بل نركز على حضارات الآخرين وننهل منها دون وعي حضاري أو معرفي منا، لدرجة أننا أصبحنا أشباهًا لا نقدم أو نؤخر، فإلى متى نعتمد على منتجات الآخر وثقافته وكل ما يزودنا به دون تفكير منا أو منهجية مدروسة من جانبنا.

لقد جعلتنا هزيمتنا النفسية في ذيل الأمم، رغم ما لدينا من حضارة سابغة، وإسلام قوي وعزيز ويزداد انتشارًا يومًا بعد آخر. ذلك أننا لم نخرج ذلك الضعف من دواخلنا، ولم نعتز بعز الدين ونصرة الله لعباده، ولو أحسنا التوكل على الله وقمنا بما يجب علينا عمله واجتهدنا قدر المستطاع لما وصلنا إلى ما نحن فيه الآن.

إن علاج الهزيمة النفسية للأمة تحتاج إلى تكاتف وعمل، لا بد للخطباء أن يوجهوا الناس، وكذلك يجب على المعلمين في مدارسهم والأساتذة في جامعاتهم أن ينشئوا الأجيال على العزيمة والقوة وإخراج الإحباط النفسي من صدورهم، وزرع بذور الأمل في المستقبل، وذلك من خلال ضرب الأمثلة والنماذج التي استطاعت أن تصنع التغيير في حياتنا، تلك النماذج المبشرة التي استطاعت أن تتخطى الحاجز المحلي والقومي إلى رحاب عالمية من خلال منجزاتها التي قدمتها للبشرية، مثل: الدكتور أحمد زويل، وما قدمه للعالم أجمع.

يجب أن نثق في الله أولاً، وفي قدراتنا المادية والمعنوية ثانيًا، وأننا نستطيع صنع طريقنا الخاص بنا دون مساعدة من أحد، نستطيع أن نخرج من ذلك المستنقع الخطر، فالمسلمون قد ينهزمون في معركة، لكن نفوسهم تظل أبيّة وصامدة وعزيزة، لا ينهزم ضميرهم، ولا تستسلم سواعدهم، ولا ينسحبون من الحياة، ولا يحيون على الهامش، مهما كان الظلم، بل يحيون واثقين في أنفسهم وقدراتهم صابرين يسيرون في طريقهم لا يثنيهم عنه أحد من أعدائهم، لديهم ثبات على الحق، ومواصلة للمسير، فيهزمون الباطل، وتتمكن سواعدهم من ترسيخ قيم العدل والحرية، فينحسر الباطل وتذبل شوكته.

إن محاربة الهزيمة النفسية، ليست أمرًا سهلاً، لأنها تحتاج إلى جهود كثيرة وإلى عمل فعلي على أرض الواقع.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!