خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

من الوصايا النبوية: “إذا سألتَ فاسأل الله”

كثيرة هي الوصايا النبوية التي أؤثرت عن النبي صلى الله عليه وسلم، والذي كان حريصًا على أصحابه في كل وقت وحين، ولذا كان يتعهدهم بالوصايا والنصائح التي تصلح دينهم ودنياهم، ومن تلك الوصايا، الوصية الجامعة التي أعطاها النبي صلى الله عليه وسلم لابن عمه ابن عباس، وأصبحت وصايةً للمسلمين ولأمة الإسلام بعد ذلك.

الوصايا النبوية لكل مكروب

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

“إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ، وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ” (رواه الترمذي، وقال: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ).

يوجه النبي صلى الله عليه وسلم وصيته لابن عباس رضي الله عنه، ولكل مكروب ومحزون ومهموم، ولكل من ظُلم ولأصحاب الحاجات: “إذا سألت فاسأل الله”. فحين تشتد بنا الخطوب، وتحيط بنا المحن من كل صوب واتجاه، فليس لنا سوى الله تعالى هاديًا وناصرًا ومعينًا، فعلينا أن نتوجه لله في كل أفعالنا وأعمالنا، فمَن يمكنه أن يعيننا سوى الله تعالى على كل ما نمر به، لذا لا بد من اليقين بالله تعالى، وتصديق وعده تعالى، فحين يضيق الأمر بك وتغلق الدنيا أبوابها في وجهك، ولا تجد لنفسك مخرجًا فماذا أنت فاعل؟ ليس أقرب إليك من ربك لتسأله وتناجيه فتقول: يا ألله.

حين ينتفض الباطل ويصبح الظلم هو السائد، فإن ملجأك الأول والأخير هو خالقك، فهو القادر على تخليصك من الهموم والآلام والأوجاع، أكثر من الدعاء وأحسن الظن بالله تعالى وستجد خيرًا بإذنه تعالى، لا تفقد الأمل في الله ولا تتجه بالسؤال لأحد سواه، بل قم قانتًا بين يديه مستسلمًا لأمره، مذعنًا لحكمه.

الدعاء نعمة كبرى

في تلك الوصية يعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن عباس رضي الله عنه والمسلمين كافةً، أن الدعاء من النعم الكبرى، والمنح العظمى، وهي تَفْضُل عبادات كثيرة، فقد أمرنا الله بها وحثنا عليها، فالدعاء والإجابة متلازمان، قال تعالى: “وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُون”. (سورة البقرة: 186)، وقال سبحانه: “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين”. (سورة غافر: 60)، ولذا فإن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يقول:

“إني لا أحمل هم الإجابة، ولكني أحمل هم الدعاء”.

ووضح من ذلك أن العبد لا بد أن يسأل خالقه ويدعوه في كل وقت وحين، وأن يفرده وحده بالسؤال: “إذا سألت فاسأل الله”. فالموفق من وفقه الله للدعاء، وفتح في وجهه أبواب الإجابة، ويسر له سبل ذلك، وحرّك لسانه به في كل وقت وحين، فالخلق في حاجة ماسة إلى الدعاء، وإلى الاستعانة به سبحانه.

وصية جامعة

إن هذه الوصية من الوصايا النبوية الجامعة في بابها، فالسؤال لا يكون إلا لله تعالى، والاستعانة كذلك، بما يعني أن العبد لا يعلق نفسه بشيء ينفعه من الخلق، بل يجب أن يعلق نفسه بالخالق، فالناس جميعًا لن يستطيعوا أن ينفعوك بشيء إلا بأمر الله تعالى: “وَاعْلَمْ أَنَّ الأُمَّةَ لَوْ اجْتَمَعَتْ عَلَى أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَنْفَعُوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ لَكَ”. وكذلك لن يستطيعوا أن يضروك بشيء إلا ما قدره الله تعالى: “وَلَوْ اجْتَمَعُوا عَلَى أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَضُرُّوكَ إِلَّا بِشَيْءٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، رُفِعَتِ الأَقْلَامُ وَجَفَّتْ الصُّحُفُ”. وفي معنى الاجتماع هنا دليل على تجمع القوى عليك وتضاعف الجهد سواء بالنفع أو الضرر، ولكن الضار والنافع هو الله سبحانه الذي قدر كل شيء في صحيفة كل عبد، فلا ضرر ولا نفع يقع إلا بتقديره سبحانه.

قال الشوكاني عن سؤال الله تعالى: “الدعاء هو أعلى أنواع العبادة وأرفعها وأشرفها”، وقال الشيخ ابن سعدي في قوله تعالى: “فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ”. (سورة غافر: 14): فوَضْعُ كلمة “الدين” موضع كلمة “الدعاء”، يدل على أن الدعاء هو لب الدين وروح العبادة.