خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

الوصايا النبوية في حجة الوداع

ID 178481248 © Yalcinsonat | Dreamstime.com

لما كان يوم عرفة من السنة العاشرة من الهجرة نزل النبي صلى الله عليه وسلم عرفة، فوجد قبة قد ضُربت له بنمِرة، فما كان منه صلى الله عليه وسلم إلا أن نزل بها، وقد وقف ببطن الوادي في جمع غفير لم يجتمع له من قبل، قيل أن عددهم مائة وثلاثون ألفًا من المسلمين، لذا فإن هذا اللقاء كان مشهودًا، ولذا أوصى النبي صلى الله عليه وسلم أمته وأصحابه بعدد من الوصايا الجامعة التي اشتملت عليها خطبته.

كانت تلك الخطة جامعة بمعنى الكلمة، وقد ذكر جابر بن عبد الله رضي الله عنه، أن مما قاله النبي صلى الله عليه وسلم قال في خطبة عرفات، ما يلي:

“إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا، ألا كلُّ شيءٍ من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دمٍ أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث، كان مسترضعًا في بني سعد، فقتلته هذيل، وربا الجاهلية موضوع، وأول ربًا أضع ربانا، ربا عباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله، فاتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان اللَّه، واستحللتم فروجهن بكلمة اللَّه، ولكم عليهن أن لا يوطئن فُرُشَكم أحداً تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مبرِّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به: كتاب اللَّه, وأنتم تُسألون عني، فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلّغت، وأدَّيت, ونصحت، فقال بإصبعه السبَّابة يرفعها إلى السماء، وينكتها إلى الناس: اللَّهمّ اشهد، اللَّهمّ اشهد، ثلاث مرات”. (رواه مسلم)

ونستخلص من الحديث السابق مجموعة من الدروس المهمة، وهي:

أولاً: حرمة الدماء والأموال والأعراض: فقد أكد النبي صلى الله عليه وسلم على حرمتها حرمة تامة، قال الإمام النووي عن قول النبي صلى الله عليه وسلم: “فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، معناه: أن تحريم هذه الأمور متأكدة شديدة، وفي هذا دليل لضرب الأمثال، وبإلحاق النظير بالنظير قياسًا”. وقال ابن عثيمين رحمه الله: “فأكد عليه الصلاة والسلام تحريم هذه الثلاثة: الدماء والأموال والأعراض، فكلها محرمة، والدماء تشمل النفوس وما دونها، والأموال تشمل القليل والكثير، والأعراض تشمل الزنا واللواط والقذف، وربما تشمل الغيبة والسب والشتم، فهذه الأشياء الثلاثة حرامٌ على المسلم أن ينتهكها من أخيه المسلم”.

ثانيًا: وصيته صلى الله عليه وسلم بالنساء، لقد كانت المرأة قبل بعثته مظلومة ومهدورة الحقوق، وكانت تعامل معاملة الأَمَة والعبدة الذليلة، فقام الإسلام بإعطائها كامل حقوقها، لذا خشي النبي من انتكاس الناس وإعادة الأمر إلى ما كان عليه، فقال صلى الله عليه وسلم: “فاتقوا اللَّه في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمان اللَّه”، قال النووي: “فيه الحث على مراعاة حق النساء، والوصية بهن، ومعاشرتهن بالمعروف، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بهن وبيان حقوقهن والتحذير من التقصير في ذلك”. وأما قوله صلى الله عليه وسلم: “ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه”، فقال عنه النووي: “المعنى لا يأذنَّ لأحدٍ من الرجال أو النساء تكرهون أن يدخل منازلكم، وليس المراد من ذلك الزنا، لأنه حرام سواء كرهه الزوج أو لم يكرهه، ولأن فيه الحدّ”.

ثالثًا: حرمة الربا: ففي قوله صلى الله عليه وسلم: “وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضع من ربانا ربا عباس بن عبد المطلب، فإنه موضوع كله”، إشارة واضحة على تحريم ربا الجاهلية في البيوع كلها، وذلك خوفًا من ارتداد الناس إليها.

ثالثًا: الاعتصام بكتاب الله تعالى: أوصى النبي صلى الله عليه وسلم بالاعتصام بكتاب الله تعالى وبما تركه أي بسنته لكي لا نضل بعده أبدًا، وقد ضل البعض حين اتخذ من هذا القول الأخذ بكتاب الله دون السنة النبوية، وهذا لا يجوز وليس مقصودًا، قال السعدي عن ذلك: “وهذا شامل لأصول الدين وفروعه، ظاهره وباطنه، وأن ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم يتعين على العباد الأخذ به واتباعه، ولا تحل مخالفته، وأن نص الرسول صلى الله عليه وسلم على حُكم الشيء كنص الله تعالى، لا رخصة لأحد ولا عذر له في تركه، ولا يجوز تقديم قول أحد على قوله صلى الله عليه وسلم”.