خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

عبد الله توبة يكتب: الوعي قبل السعي

الوعي قبل السعي

الوعي قبل السعي مقولة تصلح أن تكون أساسًا لكل فعل يقوم به الإنسان في حياته، وهذه المقولة هي أحد الأسس التي قامت عليها دعوة النبي –صلى الله عليه وسلم- التي استمرت في مكة والمدينة ثلاث وعشرين سنة.

أهمية الوعي بالطريق الذي نخوضه؟

الوعي قبل السعي تعني أن يكون الإنسان على دراية كاملة بما ينوي القيام به في حياته، وتعني أن يتعلم قبل أن يعمل، لقد طبق النبي –صلى الله عليه وسلم- هذا المنهج تطبيقًا بديعًا، فها هو قد مكث في مكة ثلاث عشرة سنة يبني جيلًا من الصحابة على أساس قويم وقواعد ثابتة، مكث النبي طوال هذه الفترة يدعو إلى توحيد الله تعالى ونبذ عبادة الأصنام والأوثان التي انتشرت في الجزيرة العربية.

وقد يتساءل البعض لماذا ركز النبي – صلى الله عليه وسلم- طوال هذه الفترة التي استغرقت أكثر فترة الدعوة في التأصيل لتلك القضية؟ والجواب أن تصحيح العقيدة وجعل العبادة خالصة لله تعالى هو لب الدعوة وأساس الرسالة، وما كان للنبي -صلى الله عليه وسلم- أن يبدأ بالفروع ويترك الأصول، وما كان له أن يترك القضية الأساسية ويتطرق لقضايا فرعية، يمكن تناولها بعد ذلك.

منهج النبي

لقد كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يرى الأصنام كل يوم وهي محيطة بالكعبة لكنه لم يرفع فأسًا لتحطيمها، لأنه أراد أن تتحطم أولًا في قلوب الذين عبدوها، فإذا ما وصلوا إلى هذه الدرجة سيكون من السهل عليهم أن يحطموها بأيديهم، وبعد رحلة طويلة من الدعوة والجهاد عاد النبي –صلى الله عليه وسلم- بعد ثمانية أعوام من هجرته ليحطم تلك الأصنام يوم فتح مكة العظيم تاليًا قول الله تعالى:

{وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ  إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا} (الإسراء:81).

لماذا لم يقاتل النبي –صلى الله عليه وسلم- كفار قريش في مكة؟ نحن نتحدث عن قوم آذوه وعذبوا أصحابه وقتلوا بعضهم لا لشيء إلا لأنهم اختاروا عبادة الله الواحد الأحد، لم يفعل النبي –صلى الله عليه وسلم- ذلك لأنه لم يؤمر بقتال؛ لأن المسلمين لم يكن قد استعدوا بعد للقتال، ولم تكن عملية الإعداد التربوي للصحابة قد اكتملت بعد، لكن لما حان الوقت لذلك نزل قول الله تعالى:

{أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ} (الحج:39)

وكأني أنظر إلى النبي العظيم وهو يقف على قتلى قريش في بدر: أبي جهل، عتبة بن ربيعة، شيبة بن ربيعة، أمية بن خلف، وغيرهم من صناديد الكفر الذين كانوا يؤذون النبي وأصحابه وأخرجوهم من ديارهم وأرضهم.

الوعي قبل السعي .. أن يسبق العلم العمل

إن من أهم متطلبات مقولة الوعي قبل السعي، أن يسبق العلم العمل، ذلك أن العلم شرط أساسي لصحة العمل، وأي عمل لا يقوم على علم فإنه محكوم بالفشل، إن تقديم العلم على العمل منهج قرآني أصيل قال تعالى:

{ فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ  وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} (محمد صلى الله عليه وسلم:19)،

وقد بينت الآية أن العلم بشهادة التوحيد مقدم على الاستغفار وهو قول داخل في باب الفعل، وقد ذكر الإمام البخاري هذه القاعدة في إحدى أبواب كتاب العلم فقال: باب العلم قبل القول والعمل لقول الله تعالى فاعلم أنه لا إله إلا الله، لذلك قالوا: “فِقْهُ البُخَارِي فِي تَرَاجِمِهِ”.

إن كل ما سبق يحتم على الدعاة إلى الله تعالى أن يلتزموا  المنهج النبوي في الدعوة إلى الله تعالى، وإني على يقين تام أن أي محاولة لاتباع منهج غير منهج النبي في دعوته هي محاولة قاصرة محكومة بالفشل.

الوعي قبل السعي مقولة تصلح أن تكون منهجًا لحياتنا، ليتنا نطبقها في تعاملاتنا لأننا إن فعلنا سنصل إلى أهدافنا من أقصر الطرق وأسلمها.

عبدالله توبة أحمد

مدون وباحث في الدراسات الإسلامية