خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

بالعمل والإنتاج تقوم الأمم وتزدهر

ركز الإسلام على قيمة العمل، وخاطب الله المسلمين في مواضع شتى لحثهم على العمل وإتقانه والسعي نحو الأرزاق مع حسن التوكل عليه. ولا يمكن لأي مجتمع مهما كان أن يقوم دون عمل أو إنتاج يُعرف به، بل لا بد لأي أُمة تريد النهضة والازدهار أن تركز على قيم العمل وأن تخطط له بشكل سليم وفق قواعد علمية مدروسة، ولعل مجتمعنا الإسلامي اليوم يعاني ما يعانيه بسبب إهمال قيمة العمل وجملة من الأمور الأخرى، لأن العمل هو القوة الاقتصادية التي ستنهض به وترقى بأفراده وتوفر لهم الكسب الحلال والدائم، كما يمكن للدول من خلال رفع إنتاجها أن تطور من مؤسساتها ومقدراتها المختلفة بما يعود بالنفع على أبنائها.

وترتفع قيمة العمل في دين الإسلام، حتى وصلت إلى درجة الجهاد في سبيل الله تعالى، فقد مر رجل على رسول اله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، فلما رأى أصحابُه من ذلك الرجل جلدًا ونشاطًا وقوة، قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم: “يا رسولَ اللهِ ، لو كان هذا في سبيلِ اللهِ؟ “يعنون الجهاد وليس العمل”، فقال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: “إن كان خرج يسعَى على ولدِه صِغارًا فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كان خرج يسعَى على أبوَيْن شيخَيْن كبيرَيْن فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كان خرج يسعَى على نفسِه يعفُّها، فهو في سبيلِ اللهِ، وإن كان خرج يسعَى رياءً ومُفاخَرةً فهو في سبيلِ الشَّيطانِ”. (رواه الطبراني)، وهنا يكون النبي صلى الله عليه وسلم قد أرسى قواعد العمل وأسس لمكانته العالية، وجعله كالجهاد تمامًا.

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حث على العمل وجعله من الأمور الضرورية التي تضمن الكرامة الإنسانية، فقال: “لأن يأخذَ أحدُكم أحْبُلًا، فيأخذُ حِزْمةً من حطبٍ، فيبيعُ، فيكفُّ اللهُ به وجهَه، خيرٌ من أن يسألَ الناسَ، أُعطي أم مُنعَ”. (رواه البخاري)، فقد جعل صلى الله عليه وسلم جمع الحطب وبيعه خير من سؤال الناس، لأن أي عمل حلال يقوم به الإنسان يعد تكريمًا لإنسانيته مقارنة بسؤال الناس والتذلل إليهم، فيخدش المرء كرامته بذلك سواء أُعطي حاجته أو مُنع عنها.

وقد استطيب بعض الناس الكسل والبطالة والفراغ، واعتبروهم من الأمور المستحبة، ونجد اليوم الشباب يجلسون في كل زاوية لا يكاد يفعلون شيئًا سوى اللعب والهرج والمرج، مما ضيع على الأمة الازدهار وألويات السبق والرفعة التي تستحقها، ولننظر إلى هدى النبي صلى الله عليه وسلم في كيفية تحويله لرجل يسأل الناس عن حاجة، إلى رجل منتج يستطيع الإنفاق على أسرته. فعن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه أخبر عن رجل جاء للنبي صلى الله عليه وسلم يسأله حاجة له، فقال له: “أما في بيتِك شيءٌ؟” قال: بلى، حِلسٌ “شيء من القماش”، نلبَسُ بعضَه ونبسُطُ بعضَه، وقِعبٌ نشربُ فيه الماءَ “أي وعاء”. قال: “ائْتِني بهما”، فأتاه بهما فأخذهما رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم بيدِه وقال: “من يشتري هذَيْن؟” قال رجلٌ: أنا آخُذُهما بدرهمٍ. قال رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلَّم: “من يزيدُ على درهمٍ”، مرَّتَيْن أو ثلاثًا، قال رجلٌ: أنا آخُذُهما بدرهمَيْن، فأعطاهما إيَّاه، فأخذ الدِّرهمَيْن فأعطاهما الأنصاريَّ وقال: “اشتَرِ بأحدِهما طعامًا فانبُذْه إلى أهلِك ، واشتَرِ بالآخرِ قَدومًا فائْتِني به”، فأتاه به فشدَّ فيه رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم عودًا بيدِه ثمَّ قال: “اذهَبْ فاحتطِبْ وبِعْ ولا أرَيَنَّك خمسةَ عشرَ يومًا”. ففعل فجاءه وقد أصاب عشرَ دراهمَ فاشترَى ببعضِها ثوبًا وببعضِها طعامًا، فقال له رسولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: “هذا خيرٌ لك من أن تجيءَ المسألةُ نُكتةً “أي ظاهرة” في وجهِك يومَ القيامةِ” (رواه أبوداود).

بل إن النبي صلى الله عليه وسلم قد حذر من التسول وسؤال الناس دون حاجة فقال: “من سأل الناسَ أموالَهم تكثُّرًا، فإنما يسألُ جمرًا، فليستقِلَّ أو لِيستَكْثِرْ”. (رواه مسلم)، وجُعل عز الإنسان في استغنائه عن الناس. فهل قدرنا العمل حق قدرها؟ وخل دفعنا عجلة الإنتاج لتنهض أمتنا وتعود إلى سالف عهدها المنشود، أم نظل على خمولنا؟