خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

بداية إسلام الأنصار رضوان الله عليهم

كان لإسلام الأنصار وقع طيب على انتشار الدعوة الإسلامية، فقد أذن الله بإسلامهم أن تصبح المدينة المنورة هي دار الهجرة التي احتضنت المسلمين كي يكونوا دولة إسلامية توحد الله تعالى، وأن يخرج نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من مكة التي لم يجد فيها على طول مكثه به ما يثبت أركان الإسلام، كما أن أصحابه قد وجدوا الأمرين من قريش التي صدت عن سبيل الله تعالى ووقفت في وجه الإسلام وأتباعه وأغلظت القول ودفعت إليهم الأذى والنكال، فكان لا بد من وجود متنفس آخر يعز الله به الإسلام والمسلمين، فكانت الهجرة إلى يثرب هي الملاذ الآمن. لكن قبل ذلك كان التمهيد الإلهي للهجرة بأن شرح الله قلوب الأنصار إلى الإسلام، وجعلهم يدافعون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه أشد ما يكون الدفاع.

كانت بداية إسلام الأنصار من خلال جهود رسول الله صلى الله عليه وسلم في عرض نفسه على القبائل من كل عام، حتى إذا اعترض وفد الأنصار تعرض لهم ليعرض عليهم الإسلام، وكان ذلك في العام الحادي عشر من البعثة أو ما سُمي ببيعة العقبة، قال ابن إسحاق: “فَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ إِظْهَارَ دِينِهِ وَاعِزَازَ نَبِيِّهِ، وَإِنْجَازَ مَوْعِدِهِ لَهُ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَوْسِمِ الَّذِي لَقِيَهُ فِيهِ النَّفَرُ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ كَمَا كَانَ يَصْنَعُ فِي كُلِّ مَوْسِمٍ. فَبَيْنَا هُوَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ لَقِيَ رَهْطًا مِنَ الْخَزْرَجِ أَرَادَ اللَّهُ بِهِمْ خَيْرًا”. وكانت تلك هي البداية التي لها ما بعدها.

ويذكر عاصم بن عمر بن قتادة عن بعض قومه أنهم قالوا: “لَمَّا لَقِيَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ: ” مَنْ أَنْتُمْ؟ قَالُوا: نَفَرٌ مِنَ الْخَزْرَجِ قَالَ: أَمِنْ مَوَالِي يَهُودَ؟ قَالُوا: نَعَمْ. قَالَ: أَفَلَا تَجْلِسُونَ أُكَلِّمُكُمْ؟ قَالُوا: بَلَى. فَجَلَسُوا مَعَهُ فَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ، وَتَلَا عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ. قَالَ: وَكَانَ مِمَّا صَنَعَ اللَّهُ بِهِمْ فِي الْإِسْلَامِ أَنَّ يَهُودَ كَانُوا مَعَهُمْ فِي بِلَادِهِمْ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَعِلْمٍ، وَكَانُوا هُمْ أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوْثَانٍ، وَكَانُوا قد غزوهم ببلادهم، فَكَانُوا إِذا كَانَ بَينهم شيء قَالُوا: إِنَّ نَبِيًّا مَبْعُوثٌ الْآنَ قَدْ أَظَلَّ زَمَانَهُ نَتَّبِعُهُ، نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمَ. فَلَمَّا كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُولَئِكَ النَّفَرَ وَدَعَاهُمْ إِلَى اللَّهِ، قَالَ بَعْضُهُمْ لبَعض يَا قوم تعلمُونَ وَالله إِنَّه النَّبِي الَّذِي تَوَعَّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ، فَلَا يَسْبِقُنَّكُمْ إِلَيْهِ. فَأَجَابُوهُ فِيمَا دَعَاهُمْ إِلَيْهِ، بِأَنْ صَدَّقُوهُ وَقَبِلُوا مِنْهُ مَا عَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْإِسْلَامِ وَقَالُوا: إِنَّا قَدْ تَرَكْنَا قَوْمَنَا وَلَا قَوْمَ بَيْنَهُمْ مِنَ الْعَدَاوَةِ وَالشَّرِّ مَا بَيْنَهُمْ، وَعَسَى أَنْ يَجْمَعَهُمُ اللَّهُ بِكَ، فَسَنَقْدَمُ عَلَيْهِمْ فَنَدْعُوهُمْ إِلَى أَمْرِكَ وَنَعْرِضُ عَلَيْهِمُ الَّذِي أَجَبْنَاكَ إِلَيْهِ مِنْ هَذَا الدِّينِ، فَإِنْ يَجْمَعْهُمُ اللَّهُ عَلَيْكَ فَلَا رَجُلَ أَعَزُّ مِنْكَ. ثُمَّ انْصَرَفُوا رَاجِعِينَ إِلَى بِلَادِهِمْ قَدْ آمَنُوا وَصَدَّقُوا”.

ولننظر هنا إلى سرعة استجابة الأنصار لكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكيف أنهم ربطوا الأحداث في دقائق معدودات، فكلام اليهود وتهديدهم المستمر قد أعطاهم خلفية أن هناك نبيًا مرسلاً، فلما عرفوا الحق صدقوا ولم يتكبروا أو ينسحبوا من الموقف. قال ابن إسحاق عن هؤلاء الأبطال من الأنصار الذين آمنوا وأخلصوا النية لله وحده: “وَهُمْ فِيمَا ذُكِرَ لِي سِتَّةُ نَفَرٍ كُلُّهُمْ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ: أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ بْنِ عُدَسِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ”.

قال أبو نعيم: “وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْأَنْصَارِ مِنَ الْخَزْرَجِ. وَمِنَ الْأَوْسِ: أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَقِيلَ إِنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ رَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وَمُعَاذُ ابْنُ عَفْرَاءَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ بْنِ سَوَادِ بْنِ مَالِكِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ. وَرَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْعَجْلَانِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زُرَيْقٍ الزُّرَقِيُّ. وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرِ بن حَدِيدَة بن عَمْرو بن غنم بْنِ سَوَادِ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ يَزِيدَ الْخَزْرَجِ السَّلَمِيُّ، ثُمَّ مِنْ بَنِي سَوَادٍ. وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ نَابِي بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلمَة السَّلَمِيُّ. وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رِئَابِ بْنِ النُّعْمَانِ بن سِنَان بن عبيد بن عدى ابْن غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ السَّلَمِيُّ”. رضوان الله عليهم أجمعين.

المرجع:

ابن كثير، السيرة النبوية، ج2.