خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

بداية ظهور الفُرقة والتنازع بين المسلمين

ID 7536837 © William Rossin | Dreamstime.com

تعد مسألة التنازع والفرقة من أكثر المسائل التي تعيق تقدم الأمة، كونها تؤدي إلى تشتت الجهود وانهزام الروح الإسلامية وتضاءل الدور الذي يجب أن نقوم به، إضافة إلى شق الصف والتفرق والانقسام، مما يؤدي بدوره إلى التناحر وعودة العصبية القبلية للناس بدلاً من الاعتصام بحبل الله المتين. كانت حادثة استشهاد عثمان بن عفان رضي الله عنه، أمرًا جللاً فما إن استشهد رضى الله عنه، حتى ابتدأ ظهور الفرق، لأن حادث استشهاده أثار العديد من القضايا، فتلاحقت الأحداث وأخذ بعضها برقاب بعض، فبينما بايع الصحابة عليًا رضى الله عنه، رأى معاوية الاقتصاص من قتلة عثمان، ثم اقتتل الفريقان، وظهر التحكيم باعتباره وسيلة لرأب الصدع، وألح أصحاب علىٍّ في مسألة التحكيم، بالرغم من معارضته، لأنه كان قاب قوسين أو أدنى من الظهور على الفريق الآخر.

ومع ذلك فإن عليًا رضي الله عنه: “لما أطاعهم كارهًا، عاد أتباعه فأعلنوا أنه لا حكم إلا لله، وخرجوا عليه وكفروه. واستتبع ذلك انقسام المسلمين إلى ثلاثة أقسام، فريق يؤيد عليًا، وفريق يؤيد معاوية، وفريق ثالث أبى الخوض في النزاع. ومن ثم ظهر التشيع في بدايته لتأْييد علىّ، ثم تحول إلى عقائد كلامية عند مقتل الحسين بن على في موقعة كربلاء”. (قواعد المنهج السلفي، د. مصطفى حلمي، ص 63-64)

  كان ذلك بداية لمجموعة من التصدعات المتتابعة بعد ذلك، لأن الفتنة لم تنكسر حدتها قط، بل زادت وكثر التفرق وبدأ التنازع يدب في أوصال الأمة وينهش فيها، وقد كثرت الاجتهادات وتضاربت الآراء مما شكل فرقة شديدة بين الخصوم على حد سواء، ولقد كان لذلك كله أثره المرير، ويصف سعيد بن المسيب هذه العاقبة بقوله: “وقعت الفتنة الأولى –يعنى مقتل عثمان- فلم تُبْق من أصحاب بدر أحدًا، ثم وقعت الفتنة الثانية، فلم تُبْق من أصحاب الحديبية أحداً، ثم وقعت الفتنة الثالثة فلم ترتفع وللناس طباخ. أي لم تُبقِ في الناس عقلاً ولا قوة، وجعلتهم يتيهون في الأرض بغير هدى.

وقد نتج عن الفتنة الأولى ظهور الخوارج والشيعة، ممن خرجوا على سيدنا على رضي الله عنه، والقدرية والمرجئة خرجوا من باطن الفتنة الثانية، والجهمية ونحوهم بعد الفتنة الثالثة، فحق فيهم قول الله تعالى: “الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعًا”. (سورة الأنعام: 159) فهم يقابلون البدعة بالبدعة، أولئك غلوا في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد، أعنى المرجئة! وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات، وهؤلاء غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه!

لقد أوصلوا أنفسهم إلى طريق مسدود لا خروج منه، حتى إنهم صاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع: “ويُعرضون عن الأوائل وينقلون عن اليهود والنصارى والمجوس والصابئين، فإنهم قرءوا كتبهم فصار عندهم من ضلالتهم ما أدخلوه في مسائلهم ودلائلهم، وغيروه في اللفظ تارة وفى المعنى أخرى، فلبَسوا الحق بالباطل، وكتموا حقًا جاء به نبيهم، فتفرقوا واختلفوا، وتكلموا حينئذ في الجسم والعرض والتجسيم نفيًا وإثباتًا”. (شرح العقيدة الطحاوية، محمد ابن أبى العز، ص 593)

لقد كان خيط الفرقة والتنازع يمر بتعرجات وتباعدات متفاوتة، وبين حين وآخر تظهر فرقة جديدة تضاف إلى الرصيد السابقة، مما خلف ميراثًا كبيرًا من الاختلاف والتباين. ولم تعِ تلك الفرق أن المسائل الاجتهادية في دين الله يمكن القبول بها إن كانت وفق قواعد مفهومة ومحددة، أما العداء من أجل فصيل واتخاذه من دون الله موئلاً وسبيلاً، ثم الدفاع المستميت عن الرأي، حتى لو كان باطلاً، فإن ذلك أساس الانهزام والتنازع والعصبية للأشخاص والمذاهب والجماعات وليس للدين من ذلك شيء. لذا وجب التنبه وسؤال النفس دومًا: لمن أعادي؟ هل لله ورسوله أم لهوى في النفس، أم لأشخاص منا. إذا حددنا الهدف فإنه يمكننا الوصول إلى الطريق المستقيم بإذن الله وتوفيقه.