خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

بعضُ ما قِيل عن تسمية العرب واشتقاق اسمهم

ID 91584865 © Nan Li | Dreamstime.com

قد يتساءل البعض عن سبب تسمية العرب بهذا الاسم، وسبب اشتقاق هذا المسمى بالذات دون غيره، ومن المعلوم أن كل أمة من الأمة سميت باسم مخصوص يدل على واقع حالها أو متخذ من صفاتها أو منسوب إلى أصل عشيرتها، فهل ينطبق ذلك على العرب، بمعنى هل تنُسب العرب لشخص معين، أم إلى صفة أو إلى شيء آخر غير ذلك.

ونستعرض أولاً رأي رجل من رجالات اللغة، وهو أبو بكر بن محمد بن دريد رحمه الله، إذ يقول: “الذي أراه أن العرب سميت بهذا الاسم لإفصاحهم باللغة، وإيضاحهم سبيل البلاغة، من قولك: أعربت الشَّيءَ، أو عن الشيء، إذا ابنته أو أبنت عنه، وعربت عن فلان: أبنت عنه، وعربت الفارسية: أبنتها، وقال أبو عبيد في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “الثيب يعرب عنها لسانها، والبكر تستأمر في نفسها” وقد روى: “يعرب عنها”. (أدب الخواص، الوزير المغربي)

وهذا رأي يتفق مع قول الفراء، ففي الحديث أن رجلاً قام بقتل رجل من المشركين في أثناء المعركة لكنه قبل أن ينال منه السيف قال: لا إله إلا الله، فقال القاتل: إنما قالها متعوذًا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم : “فهلا شققت عن قلبه” ؟! فقال الرجل: هل كان يبين لي في ذلك شيئًا؟ فقال النبي:” فإنما كان يعرب عما في قلبه لسانه”. أي أفصح لسانه عما يختزنه في قلبه، فاستعمل النبي صلى الله عليه وسلم لفظ “يعرب” بمعنى الإبانة والإفصاح.

وفي الحديث الذي رواه إبراهيم التيمي الفقيه، أنه قال: كانوا يستحبون أن يلقنوا الصبي حين يعرب أن يقول: لا إله إلا الله، سبع مرار. وأعرب الرجل بحجته إذا أفصح عنها، وعرب: إذا فصح فلم يلحن، والمعرب: الفصيح اللسان، والعربي مثله، والمعرب: الذي له خيل عراب، والذي يعرف الخيل العراب أيضًا يقال له معرب، ومنه إعراب النحو، لإبانته مقاصد الألفاظ، وإزالته شبهة الالتباس، ومنه العربون”. (أدب الخواص)

إن الآراء السابقة تتجه كلها ناحية اللغة أي الفصاحة والإبانة وحسن الحديث، ومنه سميت العرب بذلك نظرًا لقوة لغتهم، وشدة فصاحتهم، ومما يقوي تلك الآراء أن: “يعرب بن قحطان إنما سمي يعرب لأنه أول من عدل لسانه من السريانية إلى العربية في قول القحطانية، وقولنا للأمة التي يقع فيها الأعراب: عرب، كقولنا: فلان ضارب، إخبارًا بأن الضرب وقع منه”. (أدب الخواص)

وهناك رأي مخالف تلك الآراء يقول بأن العربي منسوب إلى العرب، والعرب جمع عارب، كالغيب جمع غائب، والعارب الذي أتى عربة وهي جزيرة العرب، كما يقال: “جلس فهو جالس إذا أتى جلسًا، وهي نجد، وغار فهو غائر إذا أتى الغور. والعرب أيضًا جمع عارب كحايل وحول، وغائط وغوط، إلا أنه لا ينسب إلى العرب، لا يقال في كلامهم عربي، وكان العرب ورد مطابقة للعجم، كما أن العرب بإزاء العجم، وكما يقال خُشْبٌ وخَشَبُ. والعرب وإن كان جمعًا كما ذكرناه فإنهم لم يروا أن يتصرفوا فيه بواحد يوردونه له… فقالوا: عربيُّ. وقال ابن دريد في مصدره: يقال عربيٌ بين العرابة والعروبة وقد سموا بعربي كما سموا برومي وفي ضبة شاعر محسن يقال له رومي بن شريك”. (أدب الخواص، بتصرف)

ويتضح من ذلك أن العرب إنما سموا بذلك لعدة أوجه كان أبرزها: الفصاحة والإبانة وحسن لغتهم، وقد فضل بعض من علماء اللغة ذلك الرأي مثل ابن دريد والفراء وغيرهما، في حين قال البعض بأن مسمى العرب هو صفة لهم، ورأى آخرون أن المسمى مأخوذ من المكان أي “عربة” وهي جزيرة العرب، وعامة فإن الآراء كلها تشير أن العرب لم ينسبوا لشخص بعينه في مسماهم. ولا شك أن هناك آراء أخرى متعددة في هذا الباب وتحتاج إلى بحث وتمحيص لنقف على حقيقتها.