خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

بقي بن مخلد الأندلسي وسيرته

ID 166222416 © Pavel Kirichenko | Dreamstime.com

رجل من الصالحين العالمين، ارتحل في طلب العلم من المغرب إلى المشرق فجالس فقهاء عصره، وأصبح من العالمين الناقلين للعلم والحفظة وأصحاب المؤلفات، كُني بأبي عبد الرحمن، قيل عنه إنه: “مات بالأندلس، سنة ست وسبعين ومائتين “276”، في قول أبي سعيد بن يونس، وقال الدار قطني: مات سنة ثلاث وسبعين. قال الحميدي: وبقي من حفاظ المحدثين، وأئمة الدين، والزهاد الصالحين، رحل إلى المشرق، فروى عن الأئمة، وأعلام السنة، منهم الإمام أبو عبد الله، أحمد بن محمد، بن حنبل، وأبو بكر ابن عبد الله، بن محمد، بن أبي شيبة، وأحمد بن إبراهيم الدورقي، وخليفة بن خياط… وغيرهم. وقد كتب المصنفات الكبار، والمنثور الكثير، وبالغ في الجمع والرواية، ورجع إلى الأندلس، فملأها علمًا جمًا”.

 وقد ألف كتبًا حسنًا وكانت له دراية بعلوم الحديث واللغة، فمن مصنفات بقي بن مخلد، كتاب تفسير القرآن: “وهو الكتاب الذي أقطع قطعًا لا أستثني فيه، أنه لم يؤلف في الإسلام مثله… ومنها في الحديث: كتاب مصنفه الكبير، الذي رتبه على أسماء الصحابة، فروى فيه عن ألف وثلاثمائة صاحب ونيف”. وكان متقنًا مرتبًا في تأليفه يرتب الأسماء على حسب أبواب الأحكام وأسماء الفقه فجمع بين التصنيف والإسناد.

وله ترجمة أخرى ذُكر فيها أنه “ولد بقي بن مخلد الأندلسي في رمضان، سنة إحدى وثمانين، وتوفى ليلة الثلاثاء، لتسع وعشرين لية مضت من جمادى الآخرة، سنة ست وسبعين ومائتين، ودفن في المقبرة المنسوبة إلى بني العباس”. ومن الغريب أن بقي الدين كان شغوفًا بالعلم لدرجة كبيرة حتى قيل عنه إنه: “كانت له رحلتان، أقام في إحداهما نحو العشرين عامًا، وفي الثانية نحو الأربعة عشر عامًا، فأخبرني أبي أنه كان يطوف في الأمصار على أهل الحديث، فإذا أتى وقت الحج، أتي إلى مكة فحج”.

ولنا أن نتخيل رجلاً يسافر طلبًا للعلم مدة 34 عامًا يخرج لطلب العلم فإذا اقترب موسم الحج سافر إلى مكة فحج، ثم يعود لاستكمال طريقه مرة أخرى، وكان فعله هذا في كل عام، إضافة إلى أنه كان صوامًا فإذا كان يوم جمعةٍ أفطر، وله طاعات كثيرة وقراءة قرآن وغير ذلك من عمل الخير ونشر العلم.

وقد بلغ عدد مشايخه الذي سمع منهم العلم ما يربو على مائتي رجل، وهذا عدد ضخم حقًا، وكان رحمه الله يوجه طلب العلم في مجلسه إلى كيفية جمع العلم والصبر عليه، فعن سفيان الثوري قال: “وحدثت عن بقي أنه قال يومًا لطلبته، أنتم تطلبون العلم؟ وهكذا يطلب العلم؟ إنما أحدكم إذا لم يكن عليه شغل يقول: أمضى أسمع العلم، إني لأعرف رجلاً تمضي عليه الأيام في وقت طلبه للعلم، لا يكون له عيش إلا ورق الكرنب الذي يلقيه الناس، وإني لأعرف رجلاً باع سراويله غير مرة… إلى آخره”. فدل ذلك على حبه لتلامذته وحسن توجيه لهم.

وقد جاءته امرأة إلى مجلسه ذات يوم فقالت: “إن ابني قد أسره الروم، ولا أقدر على مال أكثر من دويرة ولا أقدر على بيعها، فلو أشرت إلى من يفديه بشيء، فإنه ليس لي ليل ولا نهار، ولا نوم ولا قرار، فقال: انصرفي حتى أنظر في أمره إن شاء الله، وأطرق الشيخ وحرك شفتيه “أي بالدعاء”.

 قال: ولبثنا مدة، فجاءت المرأة ومعها ابنها، فأخذت تدعو له وتقول: قد رجع سالمًا، وله حديث يحدثك به، فقال الشاب: كنت في يدي بعض ملوك الروم، مع جماعة من الأُسارى، وكان له إنسان يستخدمنا كل يوم، يخرجنا إلى الصحراء للخدمة، ثم يردنا وعلينا قيودنا، فبينا نحن نجيء من العمل مع صاحبه، الذي كان يحفظنا، إذ انفتح القيد من رجلي، ووقع على الأرض، ووصف اليوم والساعة، فوافق الوقت الذي جاءت المرأة، ودعاء الشيخ. قال: فنهض إليَّ الذي كان يحفظني، وصاح عليّ: كسرت القيد؟ فقلت: لا، إلا أنه سقط من رجلي. قال فتحيروا في أمري، ودعوا رهبانهم فقالوا لي: ألك والدة؟ قلت لهم نعم. فقالوا: وافق دعاؤها الإجابة، وقالوا: أطلقك الله، ولا يمكننا تقييدك، فزودوني وأصحبوني إلى ناحية المسلمين”.

المرجع: ياقوت الحموي، معجم الأدباء.