خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

بلاط الشهداء: يوم توقف الفتح الإسلامي لفرنسا

birmingham-museums-trust-5EUh-tq31eA-unsplash

معركة بلاط الشهداء أحد المعارك الخالدة والتي غيرت مجرى التاريخ ذلك أن الأحداث بعدها لم تكن كالأحداث قبلها، وقد كانت تلك المعركة ضمن سلسلة معارك عظيمة لاستكمال فتح الأندلس وجنوب إسبانيا، ومن الجدير بالذكر أن الأدبيات التاريخية العربية والأجنبية قد تواردت على أهميتها ودورها الكبير في تشكيل تاريخ أوروبا في العصور الوسطى وما قبلها.

ما قبل معركة بلاط الشهداء

استكمل المسلمون فتح الأندلس وبدأوا في التوغل في جنوب فرنسا بقيادة القائد عبدالرحمن الغافقي الذي وصل إلى أماكن لم يصل إليها أحد قبل من الفاتحين المسلمين، حيث فتح مدن آرل وبوردو وبواتييه ووصل إلى مناطق تبعد عن عاصمة المسلمين في الأندلس قرطبة حوالي 1000 كم، ويعني ذلك أنه قد توغل بشكل كبير في فرنسا حتى اقترب من الوصول إلى وسطها والعاصمة باريس.

وقد وقعت معركة بلاط الشهداء في رمضان من عام 114 هـ، الموافق أكتوبر عام 732 م، في مكان يقع بين مدينتي بواتتيه وتور الفرنسيتين وكان قائد الفرنجة في ذلك الوقت شارل مارتل الذي لُقب بالمطرقة بعد انتهاء المعركة، بينما تولي قيادة جيش المسلمين عبدالرحمن الغافقي أمير الأندلس صاحب الفتوحات العظيمة في بلاد أوروبا.

العدة والعتاد

وتذكر الروايات أن عدد جيش المسلمين قد بلغ 50 ألف مقاتل، بينما بلغ عدد جيش الفرنجة بقيادة مارتل ما يقارب 400 ألف مقاتل، ومن الجدير بالذكر أن الروايات الأجنبية تهول من شأن هذه المعركة وتعده انتصارًا كبيرًا للفرنجة على المسلمين، وقد وقعت المعركة قريبًا من قصر مهجور لذلك سميت ببلاط الشهداء نسبة إلى القصر وعدد الشهداء الذين قتلوا من المسلمين، واستمرت المعركة عدة أيام بين الجيشين دون أن يحسمها أحد، حتى كان اليوم العاشر حيث حمل المسلمون على جيش الفرنجة فبدأت علامات النصر في الظهور إلا أن شارل عمد إلى حيلة ذكية، وهي أنه قد أمر مجموعة من فرسانه فالهجوم على معسكر الغنائم الخاص بالمسلمين.

كان المسلمون قد غنموا غنائم كبيرة للغاية من المعارك التي خاضوها منذ دخولهم أراضي فرنسا، ولما وقع الهجوم في معسكر الغنائم بدأ الجيش الإسلامي في التراجع وقتل عدد كبير منه منهم القائد عبد الرحمن الغافقي، وانتهى اليوم العاشر على هذا الحال مع توقع أن تستكمل المعركة صباح يوم الحادي عشر، لكن قادة الجيش الإسلامي قد اجتمعوا في الليل ورأوا أن الأفضل الانسحاب من تلك المعركة والإعداد لحملة جديدة، فانسحب الجيش ليلًا دون أن يشعر به شارل وجيشه، وفي صباح اليوم الحادي عشر كان الجيش الإسلامي قد أكمل انسحابه راجعًا إلى قواعده في جنوب فرنسا، وقد خاف شارل من تتبع الجيش الإسلامي لأنه خاف أن يكون الانسحاب مجرد خدعة وكمين قام به المسلمون.

انتصار الفرنجة

انجلت معركة بلاط عن انتصار جيش الفرنجة بقيادة شارل مارتل الذي استطاع أن يقيم دولة الفرنجة في تلك المناطق بعد ذلك واستمرت لقرون، كما أن جيش المسلمين قد تراجع حفاظًا على ما بقي منه.

وتجدر الإشارة إلى أن المعلومات متضاربة حول معركة بلاط الشهداء وأسباب هزيمة المسلمين فيها، ويمكن القول أن هناك عدة أسباب للهزيمة منها طول المسافة التي قطعها الجيش الإسلامي من قرطبة وصولًا إلى بلاط الشهداء، كما أن المسلمين قد خاضوا معارك كثيرة على طول الطريق ولا شك أن هذا قد أرهقهم، ويذكر بعض المؤرخين أن من أسباب الهزيمة كثرة الغنائم التي غنمها المسلمون في تلك المعركة ووقوع خلافات بين العرب والبربر، وربما يكون هذا السبب غير منطقي لأن الفاتحين ما كانوا ينشغلون بالغنائم قدر انشغالهم بالجهاد والفتح، لكن ربما يكون هجوم شارل على معسكر الغنائم من أسباب الهزيمة.

ومهما تضاربت الروايات والأقوال حول بلاط الشهداء فإن هزيمة المسلمين فيها كانت بمثابة تحول كبير في تاريخ أوروبا، حيث كان هذا الانتصار بمثابة الإعلان عن إنشاء إمبراطورية الفرنجة بقيادة شارل مارتل، وتوقف الزحف الإسلامي نحو فتح فرنسا ووسط أوروبا.