خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

بل الرفيق الأعلى

ID 154258217 © Hikrcn | Dreamstime.com

عندما مات الحبيب صلى الله عليه وسلم أظلمت الدنيا وانطفأ نورها، وانقطع وحي السماء عن الأرض، فذاك اليوم يعد من أكثر الأيام ظلمة في تاريخ البشرية، ولا يوجد كرب تعرض له المسلمون في أي عصر أشد ألمًا وأكثر حزنًا من موته صلى الله عليه وسلم. والمسألة التي نقف عليها هنا تختص بالمرحلة السابقة على موته، نعني مرحلة التخيير قبل الموت، فتلك كانت مرحلة مؤثرة سواء عند النبي صلى الله عليه وسام أو بين أهله وأصحابه رضوان الله عليهم.

ابتدأت القصة بصعود النبي صلى الله عليه وسلم المنبر، والصحابة يجلسون، وينتظرون ما يقول، وهم في لهفة وشوق أخذ النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: “إنّ عبدًا خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده. فبكى أبو بكر وقال: فديناك بآبائنا وأمّهاتنا، فعجبنا له، وقال النّاس: انظروا إلى هذا الشّيخ، يخبر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن عبدٍ خيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدّنيا وبين ما عنده، وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو المُخَيَّر، وكان أبو بكر هو أعلمنا به”. (رواه البخاري عن أبي سعيد الخدري)

لم يتنبه أحد للمقصود بالعبد المخيّر إلا سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه، وهذا يدل على مدى فقهه وشدة فهمه ومعايشته للنبي صلى الله عليه وسلم. يقول ابن حجر عن ذلك الموقف: “وكأنّ أبا بكر رضي الله عنه فهم الرمز الذي أشار به النبي صلى الله عليه وسلم من قرينة ذكره ذلك في مرض موته, فاستشعر منه أنه أراد نفسه، فلذلك بكى… “وكان أبو بكرٍ هو أعلمنا به” أي بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو بالمراد من الكلام المذكور”. هكذا نعى النبي نفسه لأصحابه ليعلمهم أنه مفارقهم عما قريب.

أي شجى أو دموع يمكن أن تعبر عن هذا الموقف، بل إن الكون كله قد لفه الحزن والأسى. ولنا أن نتساءل عن موقف التخيير كيف تم، هذا ما تخبرنا به السيدة عائشة التي سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “لا يموتُ نبيٌّ حتى يُخيَّر بين الدنيا والآخرة، فسمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول في مرضه الذي مات فيه، وأخذته بُحَّةً، يقول: “مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ” (سورة النساء: 69)، فظننتُ أنه خُيِّر”. (رواه البخاري)

وفي مشهد آخر يذكر النبي صلى الله عليه وسلم مسألة التخيير صراحة، فعن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول وهو صحيح إنه لم يُقْبَضْ نَبِيّ حتى يرى مقعده من الجنة ثم يُخَيَّر. فلما نزل به، ورأسه على فخذي غُشِي عليه، ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت، ثم قال: اللَّهم الرفيق الأعلى، فقلت: إذًا لا يختارنا، وعرفتُ أنه الحديث الذي كان يحدثنا وهو صحيح، قالتْ: فكانتْ آخِر كلمةٍ تكَلَّم بها: اللهمَّ الرَّفيقَ الأعلى”. (رواه البخاري)

وفي رواية آخر دالة على هذا التخيير ما جاء عن ابن حبان أن السيدة عائشة قالت: (فذهبتُ أنظر في وجهه، فإذا نظرُه قدْ شَخص وهو يقول: بلِ الرَّفيقُ الأعلَى مِن الجنَّة! قلتُ: خُيِّرتَ فاخترتَ والَّذي بعثَك بالحقّ، وقُبضَ “مات” رسول الله صلى الله عليه وسلم”. (صححه الألباني)، وعن ذلك يقول ابن حجر: “فهْمُ عائشة رضي الله عنها من قوله صلى الله عليه وسلم: “اللهم الرفيق الأعلى” أنه خُيّر، نظير فهم أبيها رضي الله عنه من قوله صلى الله عليه وسلم: “إن عبدًا خيره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده”، أن العبد المراد هو النبي صلى الله عليه وسلم حتى بكى”.

 ويوضح في هذا الشأن بدر الدين العيني، القول “خُيّر”، أنه جاء بصيغة المجهول، ليكون المقصود بها: “أي خيّر بين الدنيا والآخرة، فاختار الآخرة”. لقد اختار النبي صلى الله عليه وسلم لقاء الله والآخرة عن الخلود في الدنيا، وكان في لحظاته الأخيرة، كما توضح الأحاديث السابقة، يردد دائمًا: بل الرفيق الأعلى.