نشرة SalamWebToday
Sign up to get weekly SalamWebToday articles!
نعتذر منك، حدث خطأ بسبب:
باشتراكك، أنت توافق على شروط سلام ويب و سياسة الخصوصية
النشرة الفنية

بين الأمس واليوم

مجتمع 10 Jumada Al Akhira 1442 AH
مقال رأي
بين الأمس واليوم
© Darya Petrenko | Dreamstime.com

بين الأمس واليوم كنا صغارا وكانت حياتنا بسيطة بساطة امكانياتنا وطاقاتنا. نلعب ونلهو كبقية الأطفال وفق ما هو موجود ومتاح لنا، وكنا جد مبسوطين ومقتنعين بذلك لأننا لا نملك أن نغير الواقع. الذي بدا لنا الأفضل حينها بما أن مجتمعنا كان منغلقا على نفسه مثل بقية المجتمعات وقتها في غياب ما نعيشه اليوم من منصات التواصل الاجتماعي.

حتى بات العالم كله قرية صغيرة يمكنك الاطلاع على كل جديد في أثنائه. وكأنك تعيش في أي مجتمع من المجتمعات التي تشهد تغيرا أو تطورا. والذي لم يكن يخطر ببالنا أو نحلم به قط في صغرنا، لاستحالة الوصول لمثل هذا التفكير والاختراع.

ونحن نلعب بالصور الجدارية ونصنع كرة من أوراق الجرائد والمجلات. ونبعث برسائل بريدية لأصدقائنا وأحبابنا لنسأل عن أحوالهم وننتطر شهرا أو أكثر ليصلنا ردهم بأنهم بخير والحمد لله فلو فعل أحدنا ذلك الآن لاتهم بالجنون.

بين الأمس واليوم.. أحلام بسيطة

كانت أحلامنا أيضا بسيطة وممكنة التحقيق في ظل الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والنفسية وغيرها. وكنا ونحن ندرس مجانيا في المدارس الحكومية ونرتوي من مناهل العلم ومشاربه. دون قيد أو شرط نحلم أن نصبح يوما ما معلمين، أساتذة، أطباء، مهندسين.

في كلمة حينها كان أملنا يتلخص؛ في الحصول على وظيفة حكومية. إضافة إلى امتلاك منزل. وفي أقسى الحالات سيارة. وهي من الرفاه وقتها، ومن يمتلكها فهو من الأعيان والأثرياء وكبار المسؤولين وبعض المال لضمان غد أفضل.

فقد كنا مجتمعات محافظة تقليدية في معظمها، متماسكة ومترابطة ومتحدة ملتزمة بالعادات والتقاليد والموروث الثقافي والاجتماعي والعقائدي. متزنة تحث على التواصل وتبادل الزيارات والجلسات وصلة الرحم.

 حتى كانت جل منازل الأحياء مفتوحة ليلا نهارا تستقبل الجميع بوجوه ضاحكة مرحبة بالضيوف. دون أن تحصل اية اشكالية او لغط او خيانة او سرقة او غيرها مما نشهده اليوم.

مجتمعات تفرح لفرح غيرها وتحزن لحزنه، تؤازر المحتاج وتعينه، توفر مرقدا لمن لا مرقد له. تغطي الأجساد العارية، تروى الأفواه الظمأنة وتشبع البطون الخاوية، تعود المرضى وفاقدي السند.

مجتمعات جد بسيطة ومتواضعة ماديا واقتصاديا، ثرية اجتماعيا بالأخلاق والمبادئ والقيم. مشبعة بالنبل والحنان والإخلاص والوفاء والجود والكرم، مرجعا ونموذجا للوحدة والتضامن والعمل الجماعي والجمعياتي وغيرها.

لم نكن المدينة الفاضلة ولكن!

لكن هذا لا يعني أننا كنا نعيش في رفاه ورغد من العيش وسلم وسلام منقطع النظير أو في “المدينة الفاضلة” وكنا “أمة لا يشق لها غبار” أو “خير أمة أخرجت للناس” وغيرها. فقد كنا أيضا مجتمعات متخلفة، فقيرة، في طريق النمو والبناء والتشييد. في بداية التزحزح من النقطة صفر حيث تركنا المستعمر قبل استقلالنا عنه.

نلهث وراء تركيز الهوية وتعريف الوطنية وتدعيمها. نعمل من أجل الاستثمار في البشر من خلال التعليم والصحة والثقافة ومجلة الأحوال الشخصية وغيرها بما أننا مجتمع متواضع شبه خال من الثروات الطبيعية والمناجم وغيرها.

فكنا فعلا مجتمعا فريدا من نوعه باختلافاته وتنوع مكوناته وأسسه وتفرعاته وايجابياته وسلبياته. نعمل سويا من أجل النهوض بالبلد ومن عليه من خلال إنارة الفكر وتطعيمه وتزويده بما يحتاجه من علوم ومعارف وتجارب ومدارك. وذلك لبلوغ الهدف الأسمى وهو رفع راية هذا الوطن عاليا حيثما ذكر اسمه وانجازاته.

فصنعنا من بساطة معيشتنا وامكانياتنا وطنا متعلم الشعب ومثقفه وواعيه استطاع أن ينهض ببلد ويشيده من الصفر حبك حبة وإن كان بخطى متأنية غير أنها ثابتة، إلى اليوم.

نعم إلى اليوم أين تغير كل شيء من البساطة – سالفة الذكر – التي أمست تاريخا وموروثا إلى الأحلام التي تحررت وكسرت كل القيود. حتى بات المستحيل ممكنا مهما صعب وتشعب، إلى الإمكانيات والتجهيزات وغيرها.

لكن هل حافظنا على أهم المقومات الأساسية لكل مجتمع سليم، نظيف، شفاف. واضح التوجه والرؤى وخاصة منها الأخلاق والخلق والعادات والتقاليد والدين وغيرها ومدى تعلقنا وايماننا بها؟

 

كتبه: مصطفى مومني

كاتب ومدون تونسي