نشرة SalamWebToday
قم بالتسجيل كي تصلك أسبوعيًا مقالاتنا في SalamWebToday!
نعتذر منك، حدث خطأ بسبب:
باشتراكك، أنت توافق على شروط سلام ويب و سياسة الخصوصية
النشرة الفنية

تأملات قرآنية في حقيقة الحياة والموت والروح والجسد

الإسلام 11 Rabi Al Thani 1442 AH
تأملات قرآنية
Photo by Mukhtar Shuaib Mukhtar from Pexels

تأملات قرآنية نغوص معكم فيها في أعماق النص في محاولة اجتهادية لاستخراج مكنونه، جاء فى الآية الثانية من سورة الملك:” الذي خلق الموت والحياة ليبلُوَكُم أيكم أحسنُ عملاً وهو العزيز الغفور”: هناك العدم وهناك الوجود، والوجود المخلوق منه الميت كالجماد، ومنه الحي كالنبات والحيوان، وتتجلى مظاهر الحياة في الحيوان أكثر من النبات، ومن هنا سمّي الحيوان حيواناً. ومن مظاهر وجود الحياة النمو والتكاثر، وهذا مشترك بين النبات والحيوان، أما الحركة الإراديّة والإدراك فيتميّز بها الحيوان على النبات، هذا طبعاً فيما يظهر للإنسان. ويبدو أنّ الإدراك والحركة الإراديّة تكون بعد نفخ الروح في الجسم الحي، والظاهر للإنسان أنّ الروح لا تُنفخ ولا تستمر إلا في جسم حي، ووجود الحياة في جسم ما لا يدل على وجود الروح حتى نلمس إدراكاً، والحياة سرّ والروح سرّ آخر، ولا يزال الإنسان – على الرغم من التطور العلمي الهائل- يقف حائراً أمام هذه الأسرار.

الحياة بعد الموت

جاء في الآية 28 من سورة البقرة: “كيف تكفرونَ بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثمّ يُميتكم ثمّ يُحييكم ثمّ إليه ترجعون”: والموت هنا قد يعني وجود الأجساد في عالم الجماد الميت، أي تراباً، وقد يعني وجود الروح قبل أن تتشكل الأجساد، فوجود الروح قبل خلق الأجساد الحيّة هو أيضاً صورة من صور الموت، وعندما تغادر الروح الجسد يموت هذا الجسد. فموت الإنسان يكون بمغادرة الروح الجسد ويُؤكّد لدينا ذلك بموت الجسد، وقد تغادر الروح الجسد فيموت الإنسان على الرغم من بقاء الحياة في جسده أو في بعض أجزائه. كما يحصل عندما نُجمّد الأعضاء.

جاء في الآيات (34،35،36) من سورة الدخان: “إنّ هؤلاء ليقولون، إنْ هي إلا موتتنا الأولى وما نحن بِمُنشَرين، فأتوا بآبائنا إن كنتم صادقين” : فهم ينكرون وجود الروح قبل وجود الجسد، أي يقولون بأسبقيّة المادّة على الوعي والإدراك. ومن هنا موتهم القادم- في اعتقادهم- سيكون أوّل موت، ولن يكون هناك عودة بعدها. فالحياة في اعتقادهم مرّة والموت مرة. وتروي الآيتان 58 و 59 من سورة الصافات ما سيكون يوم القيامة من تقريعٍ لمن أنكر الموتتين، فزعم بأسبقيّة المادّة فلم يؤمن بالموتة الأولى ولم يؤمن بالحياة الثانية: “أفما نحن بميّتين، إلا موتتنا الأولى وما نحن بمُعذبين؟!”.

يوم الاعتراف بالخطيئة

أما يوم القيامة فسيكون منهم الاعتراف الكامل بخطيئتهم، وسيُقرّون بأسبقيّة الوعي على المادّة وأسبقيّة الموت على الحياة. جاء في الآية 11 من سورة غافر:” قالوا ربنا أمتّنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل”: فالموت إذن مرّتان والحياة مرّتان. وهو الأمر المشترك بين كل البشر. وقد يُزاد للبعض في الموت، وبالتالي في الحياة، فتكون ثلاث مرّات، كما هو في قصّة العزير، أو كما حصل عندما أحيا المسيح، عليه السلام، بعض الموتى بإذن الله. وكذلك الأمر عندما أحيا الله تعالى من صُعق من بني إسرائيل، فقد جاء في الآية 56 من سورة البقرة:” ثمّ بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون”. فالأمر إذن لا يتعلق بعدد المرات بقدر ما يتعلق بحقيقة وجود الروح قبل وجود الجسد.

اللافت هنا ومن خلال ما تقدم من تأملات قرآنية أنّ وجود الروح قبل نفخها في الجسد الحيّ لا يجعلها مكلَّفة، بل ولا يُلحظ لها ذاكرة قبل نفخها في الجسد الدنيوي. وعندما نُفخت في الجسد الحي أصبحت مكلّفة ولها ذاكرة، وتبقى كذلك طالما أنها في الجسد الحيّ؛ فهذا العُزير يموت مائة عام، كما تروي الآية 259 من سورة البقرة، ثمّ يُبعثُ فنجد له ذاكرة تعود بعودة الروح إلى الجسد. وهذا ما يلحظ في الإنسان يوم البعث؛ أنّه يقوم بكامل ذاكرته كما تصرّح الآيات الكثيرة. وكأنّ الروح تحتفظ بكلّ ذلك، وعندما تعاد إلى الجسد الصالح تعود بكامل وعيها وذاكرتها.

وقولهم: “ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين فاعترفنا بذنوبنا…”، يمكن أن يكشف لنا عن حقيقة اعترافهم بأسبقيّة الموت على الحياة، والذي يعني بالضرورة أنّهم يعترفون بذنوبهم ويقرّون بخطئهم الموجب للعقاب. فهم عندما كانوا لا يقرّون بأسبقيّة الموت- والذي يعني أسبقيّة وجود الروح والوعي على الوجود المادي- فإنّ ذلك يعني أنّهم يزعمون أنّ الوعي يأتي بعد وجود الأجساد، وهو في حقيقته – عند بعضهم- انعكاس المادة في الدماغ، وبالتالي يكون الإنسان ابن بيئته ويكون وعيه من صناعة إحساساته وبيئته الماديّة. وهذا يقودهم إلى القول بأنّه مجبر مُسيّر، وبالتالي غير مكلف وغير مسؤول، فلا معنى عندهم لوجود اليوم الآخر.

تأملات قرآنية حول أيهما أسبق

أمّا الإقرار بوجود الموت قبل الحياة فيعني أسبقيّة الروح والوعي على الوجود الماديّ للأجساد والحواس. وبمجرد الإحساس تنمو في النفس البشريّة المبادئ العقلية والإدراكات الفطريّة؛ كمبدأ السببيّة، ومبدأ عدم التناقض، وأمّهات المبادئ الأخلاقيّة…الخ. وهذا يعني أنّ الإنسان قد ألهِم ورُكّب فيه ما به يصبح مسؤولاً ومكلّفاً. وما الإحساس إلا الشرط المطلوب لنمو هذه الإدراكات الفطريّة، كما هو أمر البذرةِ التي لا تنمو نبتةً حتى تتوافر لها الشروط، كالماء والحرارة…

جاء في الآية 56 من سورة الدخان في حق أهل الجنة:”لا يذوقونَ فيها الموتَ إلا الموتة الأولى ووقاهم عذاب الجحيم”: أي أنّ أهل الجنة يخلدون ولا يموتون فيها إلا ما كان من موتةٍ أولى. وهذا يعني أنّ الموتة الأولى كانت في الجنة، أي أنّ الأرواح كانت في الجنة قبل أن تنفخ في الأجساد، والآن تعود إلى الجنة وهي في الأجساد الحيّة بكامل وعيها وذاكرتها. أما أهل الشقاوة فلا يعودون إليها لما كان من شقاوتهم بعد أن نفخت أرواحهم في الأجساد الدنيويّة.

وكما تلاحظ فإنّ ما ورد من تأملات قرآنية ومعاني الآيات الكريمة واضحة وجليّة ومتّسقة. وقد خاض كثير من أهل التفسير في محاولة توجيه معنى الآية 56 من سورة الدخان، لظنّهم أنّ الموتة الأولى هي الموتة بعد الحياة الدنيا. وقد قادهم هذا التوجه إلى الوقوع في إشكالات كثيرة يصعب حلّها، وكما تلاحظ لا إشكال في الآية الكريمة، لأنّه لا يوجد ما يمنع من أن يكون مستقر الأرواح، قبل نفخها في الأجساد الدنيويّة، في الجنة، وهذا ينسجم مع قول جمهور أهل السنة والجماعة بأنّ الجنة كائنة مخلوقة. أمّا من شذّ فذهب إلى القول بأنّ الجنّة غير مخلوقة، وستخلق في المستقبل، فسوف يستشكل الآية الكريمة.

 

بقلم: مصطفى مؤمني

مدون وباحث