خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

تاريخ الدولة الأخيضرية في نجد بين النشأة والسقوط

ID 90945301 © Pingvin121674 | Dreamstime.com

في وقت موغل في القدم، وحين كانت الدولة العباسية مهيمنة على أقطار البقاع الإسلامية، كانت نجد مهيأة نتيجة الإهمال التي تعرضت له، وكذلك بسبب بُعدها نسبيًا عن مركز الحكم، لقيام كيان سياسي يحكم اسمًا فقط باسم الخلافة العباسية، أما المضمون فكان دولة حقيقية مستقلة سُميت بالدولة الأخيضرية.

 ويروي لنا الدكتور فهد الدامغ ظروف نشأة الدولة الأخيضرية فيقول: “وما إن حلّ القرن الثالث الهجري، حتى بدأت بوادر الضعف تظهر على الخلافة العباسية، وبدأ عصر نفوذ الأتراك، فشُغِلت الخلافة بكثير من المشكلات الداخلية وكثرة الفتن والتمردات والثورات التي تغذيها دوافع سياسية أو دينية، وقد أتاح ذلك كله فرصة لأقاليم الدولة المترامية الأطراف وخاصة المناطق النائية، فنجحت في اقتطاع بعضها والاستقلال بنفسها استقلالاً تامًا أو ذاتيًّا، بحيث لم يبقَ للخلافة فيه سوى نفوذ اسمي تمثل في إعلان التبعية من خلال الخطبة وسكّ النقود فقط. لقد تطلع العلويون إلى إقامة دولة مستقلة لهم في الحجاز ولكن لم تتهيأ الظروف المساعدة التي تمكنهم من تحقيق ما يصبون إليه؛ فقد تذمر أهل الحجاز من حركتهم ولم يحظوا بمساندة منهم فتوجهوا إلى إقليم نجد”.

وقد ظهرت في إقليم اليمامة في منتصف القرن الثالث الهجري، دولة مستقلة عن الخلافة العباسية، عُرفت بالدولة الأخيضرية، وكانت نجد قاعدة لأول دولة تقوم في الجزيرة العربية عدا اليمن. وسكن بلاد اليمامة قبل قيام الدولة الأخيضرية عدة قبائل، من أهمها: قبيلة “تميم” و”حنيفة” و”بني هزان” و”بني النمر” … وغيرهم. وكان نمط الحياة الاجتماعية لسكان اليمامة، يقوم على أساس قبلي، وكان التنافس على الرعي وموارد المياه، يؤدي إلى التنافر والعداء، ويتطور أحيانًا إلى مناوشات وحروب بين قبيلة وأخرى، وأحيانًا بين فروع القبيلة نفسها.

لقد تم حصر حكم الأخيضريين في جزء من بلاد اليمامة فقط “تُعرف اليمامة الآن بمنطقة الرياض”، ومركز هذا الجزء هو منطقة جو الخضارم “الخرج الآن”، وقاعدته الخضرمة، ومع هذا فإن نفوذهم وصل إلى “القرينة حاليًا”، ولم يتجاوز وادي الفقي “سدير” شمالاً، وأما جنوبًا باتجاه الأفلاج والسليل ووادي الدواسر فلم يصل إليها حكم الأخيضريين فكانت مستقلة وتحت سيطرة قوة القبائل المحلية. ويقول ناصر خسرو عن أمرائها أنهم ذوو شوكة، ولم ينتزع أحد هذه الولاية منهم، وليس بجوارهم سلطان أو ملك قاهر وكان لديهم ثلاثمائة فارس أو أربعمائة.

وبعد مدة من الزمن وقع خلاف على السلطة وصراع حاد، وذلك بين أبناء “أبي المقلد جعفر بن أبي جعفر بن الحسن”، الأمير الثامن في سلسلة أمراء الأخيضرية، فقد قتل جعفر أخاه الأمير محمد واستولى على الإمارة، ثم ما لبث أن ثار عليه ابن أخيه “كرزاب بن علي” وقتله ثأرًا لعمه محمد واستولى على الإمارة، ولعل هذا الصراع الداخلي على السلطة وما نتج عنه من انقسام، كان سببًا رئيسًا في سقوط دولة الأخيضرية. وكان ناصر خسرو قد مرّ بأراضيهم في القرن الخامس الهجري، فوصف عاصمتهم الخضرمة بالقوة والمناعة، كما وصف بلدة حجر اليمامة الرياض حاليًا بأنها مزدهرة في فصل الشتاء.

لقد امتازت نجد منذ القدم بأنها كانت موطنًا للكثير من القبائل العربية قبل الإسلام، وكذلك موطنًا لشعراء العصر الجاهلي وصدر الإسلام، ومنذ أن انتقل مركز الخلافة إلى دمشق ثم بغداد، عانت أقاليم الجزيرة العربية عامةً من الإهمال، ولم تكن ولاية نجد ذات أهمية بل كانت أحيانًا تتبع إقليم الحجاز أو إقليم البحرين “الأحساء”.

لقد اتسمت فترة حكم الأخيضريين ببعض الصراعات مما مهد لسقوط دولتهم في حدود عام 486 هـ، فقد تفرقوا في أنحاء نجد تحت ضغوط القوى الأخرى وظروف المعيشة، واندمجوا مع سكان المناطق التي حلوا بها، وأصبحوا طيفًا من أطياف المجتمع المحلي، ولم تقم لهم بعد ذلك قائمة، بحيث انصهروا تمامًا داخل الأقاليم التي وفدوا إليها. وكما هي الممالك والدول دائمًا لا تفنيها إلا الصراعات، فإن الدولة الأخيضرية في نجد أنهكها الصراع فسقطت مترنحة دون أن تحاول النهوض مرة أخرى، واختار أبناؤها العيش في هدوء في الأصقاع التي رحلوا إليها.