خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

تاريخ انتشار القهوة في شبه الجزيرة العربية

ozgu-ozden-7X96RNhpxBc-unsplash
Özgü Özden-Unsplash

حظيت القهوة على مكانة مرموقة في تراثنا العربي، وهناك عادات وأصول لإعدادها وتقديمها، وخلال مسيرتها في الانتشار توقفت في بعض البلدان التي جعلت لها مذاقًا خاصًا بها يُنسَب إليها، فظهرت القهوة العربية والتركية والإيطالية وغيرها. ويقول الدكتور عبدالغفار روزي في بحث له عن القهوة: ويعدّ عام 1117 هـ/ 1708 م، بدايةً للعصر الذهبي لتجارة البن في اليمن، وطفرةً لانتشار شرب القهوة عالميًا. وكانت الدول الاستعمارية تتنافس في السعي للوصول إليها والاستئثار بمحصول البن منالمخافي اليمن، وقد اشتد التنافس بين كلٍّ من الهولنديين والإنجليز والفرنسيين والعثمانيين.

ويعد بيت الفقيه، وهو من أشهر بيوت القهوة في اليمن، مركزًا لتجارة البن هناك، حيث يوجد فيالمخاسوق واسعة تأتيها العرب من جميع أنحاء الجزيرة العربية، وتقام السوق يوم الجمعة بعد الصلاة في حضور نائب حاكمالمخاومعه رجال الجمارك. وتشهد المدينة وجود مندوبي الأسواق العالمية من تجار البن. ودل ذلك على رواج البن اليمني وتميزه بحيث غذا من المواد التي تشتهر بها اليمن في العصر الحديث.

وصف الرحالةأوليا جلبيفي كتابه عن الرحلة الحجازية في أواخر القرن الحادي عشر، الأمور التي استرعت انتباهه من مقاهي مكة المكرمة، لأنها فاقت في أعدادها وهيئتها مقاهي الحواضر الإسلامية، مثل: إسطنبول والقاهرة ودمشق، فقال: … يوجد أربعون مقهى، وكلّ واحدة منها مشحونة بخلائق البشرمبنيّة من الأخشاب كالأكواخ ومفروشة بحصير من سعف النخل، وفيما عدا هذه المقاهي العادية، فإن هناك سبعين مقهى أخرى أنيقة ومزدانة بالزخارف والنقوش، وهذه المقاهي الأخيرة معمورة في بعضها بالرواة والقصاصين والمداحين والشعراء. وفي هذه المقاهي تقدم أشربة كالشاي والقهوة والسحلب والمهلبية.

كانت مكة أول حاضرة مستهلكة للقهوة وأكبرها، نظرًا لأنها محط التقاء القوافل والتجار والحجاج، ومدينة جدة لا تزال أكبر مركز لتبادل تجارة البن في البحر الأحمر منذ زمن الرحالة الإسبانيدمنجو بادياالمعروف بـالشريف علي باي العباسي، الذي زار مكة وجدة في عام 1807 م، حيث ردّ كلٌّ منبادياوالرحالة السويسريبوركهارتالذي جاء بعده إلى الجزيرة العربية بسبعة أعوام، على مزاعم من قال إن السلفيين حرموا القهوة، فقد قالا: “ذلك غير صحيح فهم يشربونها دومًا وبقدر كبير ولم يحرموها كما هو شائع“. وتلك فرية من الأكاذيب التي كانت شائعة في تلك الفترة، والتي حاول هذين المستشرقين التحقق منها، ووجدا عدم تحققها على أرض الواقع.

وفي إطار ما دُوّن من الإشارات إلى المقاهي في كتب الرحالة، نجد أن الرحالةبادياالذي وصف مكة وتجارتها وصفًا دقيقًا، قد ألمح إلى وجود المقاهي، وكذلك ما سجله الرحالة الإنجليزيينبورفي عام 1762 م عن مقاهي مكة وجدة، وإلى ما ذكره كذلكبوركهارتالذي وصل جدة في عام 1814 م، فقد أشار إلى وجود المقاهي وأن أكثر العمال فقرًا في الحجاز لا يشرب أقل من ثلاثة فناجين أو أربعة. وعند مغادرةبوركهارتجدة وفي طريقه إلى الطائف بدت المقاهي وكأنها تقام بالقرب من الآبار، وأن جدة كان فيها صفّ من الدكاكين تُباع فيه القهوة، وأن أهل نجد يرسلون بأنفسهم قوافلهم إلى مناطق إنتاج القهوة في اليمن لجلبها.

وغدت القهوة في النصف الثاني من القرن الثالث عشر الهجريالتاسع عشر الميلادي، مشروبًا معروفًا في غالب الجزيرة العربية، وبدأت في التوغل والانتشار، حتى بات اليوم من أهم المشروبات التي يحرص أهل الجزيرة على تناولها.

وهكذا فإن تاريخ القهوة في جزيرة العرب قد مر بمرحلتين، الأولى: بداية الظهور قبل بداية القرن الثاني عشر الهجري. والثانية: الانتشار السريع وخاصة للبن اليمني من المخا مع نهاية العقد الثاني من القرن ذاته.