تجديد الخطاب الديني بين النظرية والتطبيق

ثقافة Contributor
تجديد الخطاب الديني
Photo by Masjid Pogung Dalangan on Unsplash

تجديد الخطاب الديني من الأمور المسلم بشرعيتها. والبحث في مشروعيتها من عدمه يعد من الأمور العبثية التي تشبه جحد ضوء الشمس في ظهيرة صيف. ففي الحديث الشريف: (يبعث الله على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة دينها). إلا أن تجديد الخطاب الديني حتى يؤتي ثماره لا بد أن يقوم به المتخصصون الذين يمتلكون أدواته ويعرفون حقيقته ومواطنه وضوابطه. وإلا سينقلب التجديد إلى تبديد يهدم ولا يبني فيتحقق عكس المراد منه.

من صور التجديد في التاريخ الإسلامي

التاريخ الإسلامي مليء بصور تجديد الخطاب الديني، ومن ذلك: تحويل الهجرة بعد فتح مكة إلى جهاد ونية، والمنع من تدوين السنة ابتداءً. ثم الإذن بتدوينها والنهي عن زيارة القبور ثم الدعوة إلى زيارتها للاتعاظ، ووقف سيدنا عمر رضى الله عنه صرف الزكاة للمؤلفة قلوبهم. وإشراكه الإخوة الأشقاء مع الإخوة لأم، وتعطيله تنفيذ حد السرقة عام المجاعة لشبهة الجوع. وفي عصر الفقهاء الأربعة حدث ولا حرج عن تجديد الخطاب الديني وحسبنا في ذلك سيدنا الإمام الشافعي رضي الله عنه الذي تنازل عن كتابه الحجة (المذهب القديم). حينما نزل مصر وأملى كتاب الأم (المذهب الجديد)، لما رأى واقع أهل مصر. وبعد أن اطلع على ثقافات جديدة، في ترجمة عملية واضحة لتجديد الخطاب الديني. ومما سبق يتبين أن تجديد الخطاب الديني يكون في مواطن وأمور معينة دون غيرها.

مواطن تجديد الخطاب الديني

إن تجديد الخطاب الديني يكون في الفروع التي تثبت بأدلة ظنية. حيث إن الله تعالى لو أراد حسم جميع المسائل بأدلة قطعية لحسمها. ولكن جعل نصوص بعض المسائل ظنية الدلالة ليختلف الفقهاء في أحكامها، ويكون اختلافهم رحمة حقيقية، لما فيه من التيسير والتخفيف على الناس. ولتناسب جميع الأزمنة، فالفتوى تتغير بتغير الزمان والمكان والأحوال والأشخاص، ومسائل الفروع التي تثبت بأدلة ظنية تختلف من بلد لآخر. كما قال الإمام القرافي: (إذا جاءك رجل من غير أهل إقليمك يستفتيك: لا تفته على عرف بلدك، واسأله عن عرف بلده وأجره عليه. وأفته به دون عرف بلدك، ودون المقرر في كتبك، فهذا هو الحق الواضح).

بعض المسائل والأحكام التي بحاجة إلى تجديد

مع تلاحق تغير الأعراف وتجدد الثقافات يترتب على ذلك وجوب النظر في أحكام المسائل التي لم تعد أحكامها لهذا الزمان. ولقد قام الأزهر الشريف في مصر مشكورا بحذف المسائل والأحكام التي تتعلق بفقه العبيد والإماء بعد تعميم المواثيق الدولية التي تحرم هذا الأمر في زماننا الآن. وكذا بعض المسائل الافتراضية التي لا طائل من وراء دراستها غالبا. وينبغي على المؤسسات الدينية في العالم أن تفعل كما فعل الأزهر الشريف وأن يقوموا بتنقية المناهج الشرعية من تلك المسائل التي لم تعد تناسب المكان والزمان والأحوال والأشخاص.

ظهور مسائل معاصرة توجب تجديد الخطاب الديني 

إن ظهور بعض الوسائل الحديثة المتلاحقة كالسيارات والقطارات والطائرات، وما لا يحصى من الأطعمة والملابس. يوجب إدخال كثير من الأحكام، كأحكام السفر مثلا ، فقد يستقل المسافر الطائرة يوم الخميس ليدخل بلدا لم ينتهِ يوم الأربعاء فيه. ولا يخفى على أحد ما يترتب على ذلك من أحكام تخص الصيام والإفطار والصلاة وغير ذلك. وكل هذه المسائل وغيرها ليست في كتاب الله، ولا في السنة، ولا اجتهادات السابقين. ولا يخفى على القارئ الكريم تلك المسائل الجديدة كزرع الأجنة وتحديد النسل وغير ذلك. ومن هنا يتوجب تجديد الخطاب الديني، والاجتهاد في المسائل المعاصرة.

أين المشكلة في التجديد؟

إن المشكلة كلها تكمن في غير المؤهلين الذين يقحمون أنفسهم في التجديد، فيكونون كمريض ألقى نفسه في مخزن للأدوية. لكنه لا يعرف الفرق بين هذا الدواء وذاك، فأخذ يتناول ما يفيده وما يضره دون وعي أو إدراك. وتأتي المشكلة الأخرى فيمن يقرئون كتب التراث دون سبق معرفة للسياق اللغوي والتاريخي الذي قيلت فيه النصوص. والحكمة من هذا الحكم أو ذاك، ودون معرفة لأسباب النزول والناسخ والمنسوخ.

وفي الختام نقول: دعونا نسلم بأن تجديد الخطاب الديني أمر لا بد منه. ولكن لنتركه للمتخصصين الذين يمتلكون أدواته ولنستبشر خيرا.

 

محمد عبدالرحمن النادي

باحث بالدراسات الإسلامية

Enjoy Ali Huda! Exclusive for your kids.