خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

تسمية قريش بأهل الله في الجاهلية والإسلام

كانت قريش قبيلة مشهورة في الجاهلية، وقد ازداد أثرها في الإسلام، وكانت لها مكانتها الدينية لوجود البيت الحرام في مكة، أي في مدينتهم التي يعيشون فيها، ولذا كان العرب من جميع الحواضر العربية يطلقون على أبنائها: أهل الله، فما الأسباب الكامنة وراء ذلك؟ وما الأقوال التي وردت في ذلك؟ لقد وردت أقوال عدة في تلك المسألة، ونستعرضها معًا هنا.

فقد كان يقال لقريش في الجاهلية أهل الله لعدة أسباب، ألا وهي: أولاً: نظرًا لما تميزوا به عن سائر العرب من المحاسن والمكارم، والفضائل والخصائص، التي هي أكثر من أن تحصى. وثانيًا: لمجاورتهم بيت الله تعالى، وإيثارهم سكنى حرمه على جميع بلاد الله، وصبرهم على حر مكة وشدتها، وخشونة العيش بها. وثالثًا: ما تفردوا به من الإيلاف والوفادة والرفادة، والسقاية والرياسة، واللواء والندوة. ولكونهم على إرثٍ من دين أبويهم إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام، من قرى الضيف، واستضافة الحُجاج والمعتمرين، والقيام بما يصلحهم، وتعظيم الحرم، وصيانته عن البغي فيه والإلحاد، وقمع الظالم، ومنع المظلوم.

ورابعًا: لكونهم قبلة العرب، وموضع الحج الأكبر: “يؤتون من كل أوبٍ بعيد، فترد عليهم الأخلاق والعقول والآداب، والألسنة واللغات، والعادات والصور والشمائل، عفوًا بلا كلفةٍ ولا غرمٍ، ولا عزم ولا حيلة؛ فشاهدوا ما لم تشاهده قبيلة، وليس من شاهد الجميع كمن شاهد البعض، ولا المجرب كالغمر، ولا الأريب كالعُتل، فكثرت الخواطر، واتسع السماع، وانفسحت الصدور، ورأوا الغرائب التي تشحذ، والأعاجيب التي تحفظ، فثبتت تلك الأمور في صدورهم واختمرت، وتزاوجت وتوالدت، فصادفت قريحةً جيدةً، وطنيةً كريمة. والقوم في الأصل مرشحون للأمر الجسيم، فلذلك صاروا أدهى العرب، وأعقل البرية، وأبين الناس بيانًا، وصار أحدهم يوزن بأمةٍ من الأمم، وكذلك ينبغي أن يكون الإمام إمامًا، فأما الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد كان يزن جميع الأمم”.

وخامسًا: لجودهم وعطائهم الجزيل، فهم أهل تجارة، ومن المعلوم أن التجارة وكثرة المال توجب الشح، ورغم ذلك كانوا مشهورين بكثرة الإنفاق، ولا يكن لهم كسب يذكر سوى التجارة، وأعجب من ذلك أنهم من بين جميع العرب دانوا بالتحمس والتشدد في الدين، فتركوا الغزو كراهةً للسبي واستحلال الأموال، فلما زهدوا في أن يغصبوا غيرهم لم يبق مكسب سوى التجارة، فضربوا في البلاد إلى قيصر بالروم، والنجاشي بالحبشة، والمقوقس بمصر، فصاروا بأجمعهم تجارًا يختلطون بغيرهم، فكانوا إذا غزوا كالأسود على فرائسها رغم تركهم الغزو، مع الرأي الأصيل، والبصيرة النافذة. وتلك بعض الصفات التي يوصفون بها في جاهليتهم.

ولما جاء الله تعالى بالإسلام، وبعث منهم خير خلقه وأفضل رسله محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، علا شرفهم، وتضاعف كرمهم، وصاروا على الحقيقة أهلاً لأن يدعوا: أهل الله، فاستدام الوصف عليه عليهم وعلى سائر أهل مكة، وعلى أهل القرآن، هذا الاسم، حين قال النبي صلى الله عليه وسلم: “أهل القرآن هم أهل الله وخاصته”، وقال لعتاب بن أسيد لما بعثه إلى مكة: “هل تدري على من استعملتك؟ استعملتك على أهل الله”.

وسأل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه نافع بن عبد الحارث الخزاعي حين قدم عليه من مكة: “من استخلفت على مكة؟ قال: ابن أبزى”، قال: أتستخلف على أهل الله مولى. قال: إنه أقرؤهم لكتاب الله تعالى. قال: فإن الله تعالى يرفع بالقرآن أقوامًا”. وقال بعض السلف: حسبك من قريشٍ أنهم أهل الله، وأقرب الناس بيوتاً من بيت الله، وأقربهم قرابة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يسم الله تعالى قبيلةً باسمها غير قريش. وصارت فيهم ولهم الخصال الأربع التي هي أشرف خصال الإسلام: النبوة، والخلافة، والشورى، والفتوح. فليس اليوم على ظهر الأرض، وفي جميع ممالك العرب والعجم، وفي جميع الأقاليم السبعة ملك في نصاب نبوة، أو إمامة في مغرس رسالةٍ إلا من قريش. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “الأئمة من قريش”.

المرجع:

كتاب ثمار القلوب في المضاف والمنسوب، أبو منصور الثعالبي