تشرد الأطفال وأثره الاجتماعي

طفولة أحمد جمال
تشرد الأطفال
Photo by hitesh choudhary from Pexels

تُمثِّل ظاهرة تشرد الأطفال حالةً إنسانية شديدة الخصوصية، إذ يتم إلقاء أطفال صغار لا يدركون شيئًا إلى بيئة غير آدمية ومليئة بالمؤثرات التي تُشكل عقولهم ومشاعرهم وفقًا لها. مما يكون له بالغ الأثر على طريقة تفكيرهم وأسلوبهم في الحياة والكسب.

بل إن الأمر يزداد سواءً مع مرور الأيام، لأن هؤلاء الأطفال يكبرون ويشبون وسط حالة من السؤال واستجداء الناس وطلب العون. ولكن هذا يخلّف في نفوسهم أثرًا غير مُرضٍ عندما يكبرون وتصبح لديهم مهارة الحكم على الأشياء.

لذا فإنهم إما أن يكونوا ساخطين على الناس جملة وتفصيلاً، وإما أن يندمجوا ويحاولوا نسيان ما مرّ بهم. وخاصةً لمن استطاع منهم أن يجد عملاً ثابتًا. وإمّا أن تكون لديهم شخصية انفصامية، بحيث يتعاملون بشكل جيد مع البعض. ولكنهم يفرطون في كره أناس آخرين. والأكثر أهمية من هذا وذاك أن تشرد الأطفال يمكن أن يتحول مع مرور الوقت إلى مهنة واتكال عن اكتساب أي عمل أو علم أو المشاركة في الإنتاج.

أسباب تشرد الأطفال

رغم أن ظاهرة تشرد الأطفال لها أسباب كثيرة، فإن السبب الأبرز والأكثر تأثيرًا يتمثل في عدم تحمل الآباء لمسؤولياتهم في الرعاية المادية والاجتماعية لأطفالهم. الأمر الذي يدفع بهؤلاء الأطفال إلى التسرب من التعليم، أو عدم الذهاب إلى المدرسة من الأساس. بما يفتح الباب أمامهم إلى اتخاذ الشارع ملاذًا للتسول وطلب العون. وقد تتسبب الظروف المادية عند بعض الأسر في دفع أطفالها إلى الشارع من أجل جمع بعض الأموال. ولكن مع نجاح الأمر تعتاد الأسرة على ذلك فيصبح أمرًا واقعًا. حتى لو لم يكونوا في حاجة إلى المال. وتظهر مشكلة تشرد الأطفال في أنها تنبع في أغلب الأحيان من إلقاء الأطفال في الشوارع والتخلي عن المسؤولية تجاههم.

وهذا يحدث بصفة أكبر مع الأطفال الذين لا يجدون عائلاً لهم. أو مَن يتخذون التسول وطلب المساعدة مهنةً يكتسبون منها مالاً دون جهد كبير وفي وقت قليل. لقد قامت فتاة في الجامعة الأمريكية بالقاهرة بإعداد تقرير في مجلة الجامعة عن الشحاذين. وكان من ضمنه أنها نزلت إلى أحد الشوارع وطلبت المساعدة من الناس. لأنها فقدت نقودها وتريد العودة لأسرتها في الإسكندرية. وبالفعل نجحت في جمع مبلغ لا بأس به (360 جنيهًا مصريًّا) في غضون دقائق معدودات، وقد قامت بنشر ذلك ووثَّقت الحدث بالصور.

آثار تشرد الأطفال على المجتمع

يؤدي تشرد الأطفال إلى ظهور مجموعة من الآثار الاجتماعية، والتي يأتي على رأسها: أولاً: انتشار الجريمة، فهؤلاء الأطفال لا يجدون مؤدبًا أو لا يتلقون تعليمًا يسمح لهم بالعيش بشكل جيد. كما أنهم يحيون في بيئة خطرة ويصبحون معرضين للقتل أو التعرض للضرب ممن يكبرهم سنًّا.

وثانيًا: أن انتشار هؤلاء الأطفال في المحيط الاجتماعي يشوه واقع الأفراد الآخرين اجتماعيًّا ويدفعهم لكره واقعهم باعتباره السبب في تشريد هؤلاء الأطفال. وثالثًا: ازدياد العدد والفجوة بين طبقات المجتمع مع مرور الوقت. فقد يُكبر بعض الأطفال ويتزوجون وينتجون للمجتمع أطفالاً آخرين على ذات الوتيرة. ورابعًا: أن تلك الفئة تتحول لعبء على كاهل المجتمع. فهي تأخذ دون أن تُعطي شيئًا، ومن هنا يزداد الاتكال وقلة الإنتاج وتُفقد الثقة في العدالة الاجتماعية.

علاج هذه الظاهرة

هناك كثير من الحلول لمعالجة ظاهرة تشرد الأطفال، ويأتي على رأسها قيام الأسرة بدورها المنشود. وأن يتحمّل الآباء مسؤوليتهم نحو أبنائهم، وأن يوفروا لهم حياة كريمة تحافظ على آدميتهم وتضمن لهم تعليمًا وتربيةً تُصلح من شأنهم. وعلى المجتمع أن يقوم برعاية هؤلاء الأطفال. وتحويلهم من أطفال متشردين لا قيمة لهم إلى أطفال مبدعين ومبتكرين. وذلك من خلال دمجهم في المجتمع وتقديم الرعاية اللازمة لهم، وخاصة من خلال دُور الرعاية الاجتماعية والجمعيات الخيرية. وعلى الدولة أن تقدم لهم يد العون وتوفر لهم بيئة آمنة اجتماعيًّا وإنسانيًّا ونفسيًّا، فترك المشكلة يزيدها اتساعًا، أما مواجهتها والسيطرة عليها فيقلل منها ويدفع بها إلى التلاشي والانعدام.

 

الكاتب/أحمد جمال

كاتب وباحث