خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

تلاعبُ العرب بالأشهر الحُرم في الجاهلية

ID 52815648 © Junko Barker | Dreamstime.com

كان للعرب في الجاهلية حياتهم الاجتماعية والدينية الخاصة بهم، ومن ضمن ما كانوا يقومون به من أفعال غريبة ومنكرة، أنهم كانوا يغيرون في مواضع الأشهر الحُرم، أي التي حرم الله عليهم القتال فيها، وكان ذلك ضمن مجموعة أخرى من الأفكار التي لا تقل أثرًا عن ذلك الفعل. وقد دل ذلك على ما كانوا يتمتعون به من سفاهة الفكر وقلة التدبر وانعدام الإحاطة بكل جوانب الحياة، فعن أبي رجاء العطارديِّ أنه قال: “كُنَّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ، فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ أَخْيَرُ مِنْهُ أَلْقَيْنَاهُ وَأَخَذْنَا الآخَرَ، فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا جُثْوَةً- يعني كومة- مِنْ تُرَابٍ، ثُمَّ جِئْنَا بِالشَّاةِ فَحَلَبْنَاهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُفْنَا بِهِ، فَإِذَا دَخَلَ شَهْرُ رَجَبٍ قُلْنَا: مُنَصِّلُ الأَسِنَّةِ- يقصد منزع الأسنة- فَلاَ نَدَعُ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ وَلاَ سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ إِلاَّ نَزَعْنَاهُ وَأَلْقَيْنَاهُ شَهْرَ رَجَبٍ”. (رواه البخاري- 4117)

وقد ساعدهم ذلك على كله على الإلحاد بأسماء الله وعبادة غيره، وابتداع الأصنام، قال ابن جرير الطبري: “كان إلحادهم – أي المشركين- في أسماء الله أنهم عدلوا بها عمَّا هي عليه، فسمَّوْا بها آلهتهم وأوثانهم، وزادوا ونقصوا منها، فسمَّوْا بعضها اللات اشتقاقًا منهم لها من اسم الله الذي هو الله، وسمَّوْا بعضها العزَّى اشتقاقًا لها من اسم الله العزيز”. (الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن 13/282)، لذلك فإن الله قد خاطب المسلمين بترك تلك الأمور الجاهلية فقال: “وَلِلهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ”. (سورة الأعراف: 180)

كان التلاعب في الأشهر الحرام ضمن تلك المنظومة التي سيطرت على أفكارهم وأفعالهم، بحيث غيروا من ترتيبها، وذلك بغرض واضح وهو القتال فيها، ليحلوا بذلك ما حرم الله عليهم، فيستحلون القتال بدعوى أن هذه الشهور – بعد إعادة ترتيبها- ليست ضمن الأشهر الحرام، وقد زين لهم بعض الرجال الذين ينسئون، أي يغيرون، تلك الأمور فقاموا بها عن هوى، إذ يحلون شهرًا حرامًا للقتال فيه، ثم يضعون آخر مكانه من الأشهر الأخرى ويجعلونه بديلاً عنه، فيقدمون شهرًا ويؤخرون آخر، ومن هؤلاء الرجال الذي اشتهروا بالنسيء: القلمس، وهو حذيفة بن عبد الخزيمي، وقام بالأمر من بعده أولاده وأحفاده، وكان آخر من قام به وأدركه الإسلام الذي ألغى النسيء، رجلاً يسمى أبا ثمامة جنادة بن عوف.

وكان أمر التبديل والتلاعب في الأشهر الحرم يتم بعد الحج مباشرة، إذ يجمعهم هذا الرجل المخول بالنسيء فيذكر لهم الأشهر الأربعة الحرم: رجب، وذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، فإذا أراد أن يحل شيئًا أحل واحدًا أو أكثر من تلك الشهور ووضع غيره مكانه، كأن يضع يحل لهم المحرم ثم يضع صفرًا موضعه، وقد ذكر الله لنا ذلك في قوله تعالى: “إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِيُوَاطِئُوا عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللهُ فَيُحِلُّوا مَا حَرَّمَ اللهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ”. (سورة التوبة: 37)

وقد فسر بن عباس رضي الله عنه الآية السابقة ليوضح ذلك الأمر الخاص بهذا التلاعب بالأشهر الحرام، حيث قال: “النسيء”، هو أن جُنَادة بن عوف بن أمية الكناني، كان يوافي الموسم كلَّ عام، وكان يُكنى أبا ثُمَامة، فينادي: “ألا إنَّ أبا ثمامة لا يُحَابُ ولا يُعَابُ، ألا وإن صَفَر العامِ الأوَّلِ العامَ حلالٌ”. فيحله الناس، فيحرم صَفَر عامًا، ويحرِّم المحرم عامًا؛ فذلك قوله تعالى: “إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ”… وقوله: “إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ”، يقول: يتركون المحرم عامًا، وعامًا يحرِّمونه”. (الطبري: جامع البيان في تأويل القرآن، 14/245)

ويشرح ابن منظور معنى النسيء بأنه التأخير، وذلك بأن كان العرب: “إذا صدروا عن منى يقوم رجل منهم من كنانة فيقول: أنا الذي لا أعابُ ولا أُجابُ ولا يُرَدُّ لي قضاءٌ. فيقولون: صَدَقْتَ أَنْسِئْنا شهرًا؛ أي أَخِّرْ عنَّا حُرْمة المحرم واجعلها في صفر، وأحِلَّ المحرم. لأنهم كانوا يكرهون أَن يتوالى عليهم ثلاثة أَشهر حُرُمٍ لا يُغِيرُون فيها لأن معاشهم كان من الغارة، فيُحِلُّ لهم المحرَّم فذلك الإِنساءُ”. (لسان العرب، 1/166)