خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

خُلق التواضع في حياة النبي محمد صلى الله عليه وسلم

تواضع النبي محمد صلى الله عليه وسلم مشهود به معروف، حتى إنه لم يدَع لمتواضِع قولاً، ولم يترك لِمُتَكَبِّر حجة أو تفاخرًا. فقد ضرب لأصحابه وأمته أروع الصفات والأخلاق، فقد كان قرآنًا يمشي على الأرض، فهو صلى الله عليه وسلم المؤيّد بالوحي، وهو خليل الرحمن، وهو من أُسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، ثم عُرِج به إلى السماوات العُلى، وهو عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم، بل هو أفضل الخلق عليه الصلاة والسلام، ومع ذلك كان يتواضع لله فَرَفَعه الله عز وجل.

كيف كان تواضع النبي محمد ؟

من صور تواضعه صلى الله عليه وسلم أنه كان يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، فقد كان يأتي السوق، ويُمازحُ أصحابه، وكان رجل من أهل البادية اسمه زاهر، كان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم الهدية من البادية، فيجهزَه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج، فقال النبي صلى الله عليه وسلم:

“إن زاهرًا باديتنا ونحن حاضرته، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحبه، وكان رجلاً دميمًا، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو يبيع متاعه فاحتضنه من خلفـه، فقال لـه: من هذا؟ أرسلني، والتفت، فعرف النبيَّ صلى الله عليه وسلم فجعل النبيُّ صلى الله عليه وسلم يقول: من يشتري مني هذا العبد؟ وجعل هو يلصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم ويقول: إذا تجدني كاسدًا، فقال لـه النبي صلى الله عليه وسلم: لكنك عند الله لست بكاسد” (حديث صحيح، رواه الإمام أحمد وغيره).

وكان النبي محمد صلى الله عليه وسلم يُمازِح أصحابه، وينام معهم، ولنقف على تلكم القصة الرائعة التي رواها الإمام مسلم عن المقداد رضي الله عنه قال: “أقبلت أنا وصاحبان لي، وقد ذهبت أسماعنا وأبصارنا من الْجَهْد، فجعلنا نعرض أنفسنا على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فليس أحد منهم يقبلنا، فأتينا النبي صلى الله عليه وسلم فانطلق بنا إلى أهله فإذا ثلاثة أعنـز، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احتلبوا هذا اللبن بيننا.

واحدًا من بين أصحابه

قال: فكنا نحتلب فيشرب كل إنسان منا نصيبه، ونرفع للنبي صلى الله عليه وسلم نصيبه. قال: فيجيء من الليل فيسلم تسليمًا لا يُوقظ نائمًا ويُسمع اليقظان. قال: ثم يأتي المسجد فيُصلي، ثم يأتي شرابه فيشرب، فأتاني الشيطان ذات ليلة وقد شربت نصيبي، فقال: محمد يأتي الأنصار فيتحفونه، ويصيب عندهم ما به حاجة إلى هذه الجرعة! فأتيتها فشربتها فلما أن وَغلت في بطني وعلمت أنه ليس إليها سبيل. فقال: ويحك ما صنعت؟ أشربت شراب محمد؟ فيجيء فلا يجده فيدعو عليك فتهلك، فتذهب دنياك وأخرتك، وعَلَيّ شملة إذا وضعتها على قدمي خرج رأسي، وإذا وضعتها على رأسي خرج قدماي، وجعل لا يجيئني النوم، وأما صاحباي فناما ولم يصنعا ما صنعت.

قال: فجاء النبي محمد صلى الله عليه وسلم فسلّم كما كان يسلم، ثم أتى المسجد فصلى، ثم أتى شرابه فكشف عنه فلم يجد فيه شيئًا، فرفع رأسه إلى السماء، فقلت: الآن يدعو عَلَيّ فأهلك، فقال: اللهم أطعم من أطعمني وأسق من أسقاني.

الإناء والري

قال: فعمدت إلى الشملة فشددتها عليّ، وأخذت الشفرة فانطلقت إلى الأعنـز أيها أسمن فأذبحها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هي حافلة وإذا هن حُفل كلهن، فعمدت إلى إناء لآل محمد صلى الله عليه وسلم ما كانوا يطمعون أن يحتلبوا فيه، قال: فحلبت فيه حتى عَلَته رغوة، فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أشربتم شرابكم الليلة؟ قال: قلت: يا رسول الله اشرب، فشرِب، ثم ناولني فقلت: يا رسول الله اشرب، فشرِب، ثم ناولني فلما عرفت أن النبي صلى الله عليه وسلم قد روى وأصبت دعوته ضَحِكْتُ حتى ألقيت إلى الأرض.

قال: فقال النبي محمد صلى الله عليه وسلم: إحدى سوآتك يا مقداد! فقلت: يا رسول الله كان من أمري كذا وكذا، وفعلت كذا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما هذه إلا رحمة من الله، أفلا كنت آذنتني فنوقظ صاحبينا فيصيبان منها؟ قال: فقلت: والذي بعثك بالحق ما أبالي إذا أصبتها وأصبتها معك من أصابها من الناس” (رواه مسلم).

هذه هو تواضع النبي محمد وهذه هي أخلاقه صلى الله عليه وسلم،وأخلاقه في التعامل مع أصحابه، فأين نحن اليوم من تلكم الأخلاق، ويكاد بعضنا لا يرد السلام خشية أن تنكسر هيبته في أعين الآخرين، بل يترفع أحدنا في المعاملة إلى حد الكِبر والغرور، عافانا الله من تلكم الأمراض ورزقنا التواضع في كل أمرنا.