خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

جوامع الكلم عند الإمام عليّ “كرم الله وجهه”

كان الإمام عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه من أكثر صحابة النبي صلى الله عليه وسلم موهبة في الإتيان بالكلام الجامع المعبر عن الحال والمختصر إلى أبعد الحدود، فتظهر عبارته متناسقة وجيدة مليئة بالحيوية وجزالة اللفظ وحسن المعنى. ونقف هنا على العبارات التي تمثل جوامع الكلم عنده، لنأخذ منها العبرة والمثل ونحاول فهم ما يعنيه بتلكم الكلمات فنستخلص الدروس منها.

يقول الإمام عليّ كرم الله وجهه في مواضع متفرقة: “قيمة كل امرئ ما يحسن. المرء مخبوء تحت لسانه. الناس من خوف الذل في الذل. الناس أعداء ما جهلوا. رأي الشيخ خير من مشهد الغلام. استغن عمن شئت تكن نظيره. واحتج إلى من شئت فأنت أسيره. وأحسن إلى من شئت تكن أميره. لا ترجون إلا ربك. ولا تخافنّ إلا ذنبك. من أيقن بالخلف جاد بالعطية. قصر ثيابك فإنها أنقى وأبقى. بقية السيف أنمى عددًا وأكثر ولدًا. خير أموالك ما كفاك. وخير إخوانك من واساك. ومن كلامه رضي الله عنه لو كشف الغطاء ما ازددت إلا يقينًا. الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا. الناس بزمانهم. أشبه منهم بآبائهم. المرء مخبوء تحت لسانه. من عذب لسانه كثر إخوانه. بالبر يستعبد الحر. بشّر مال البخيل بحادث أو وارث. لا تنظر إلى من قال. لا ظفر مع البغي. الجزع عند البلاء تمام المحنة. لا ثناء مع كبر. لا بر مع شح. لا صحة مع نهم. لا شرف مع سوء أدب. لا اجتناب لمحرم مع حرص. لا محبة مع مراء. لا سؤدد مع انتقام. لا راحة لحسود. لا صواب مع ترك المشورة”. (الإعجاز والإيجاز، أبو منصور الثعالبي)

وإذا نظرنا إلى المقولات المتفرقة السابقة وجدناها تنم عن حكمة وفراسة متناهية، فقد أُتي سيدنا علي رضي الله عنه حظًا وافرًا من البلاغة وحسن القول، فكل جملة من الجمل السابقة تحتاج إلى عدة صفحات لشرحها والتوقف أمامها، بل إن بعضها يجمع شتات حالة كاملة إنسانية بكل تفاصيلها ومعانيها، فجملة: “خير مالك ما كفاك”، تعبر عن الحالة المادية للفرد وأن خير شيء يفعله الإنسان في هذ الشأن أن يكفي نفسه، لأن الخير يكمن في المال إذا كفاك عن سؤال الناس، وهكذا مع الجمل الأخرى.

ولننظر إلى المقولات التالية كذلك، ولنركز العبرة والإيجاز فيها، إذ يقول: “لا مروءة لكذوب. لا وفاء لملول. لا كر أعز من التقى. لا شرف أعلى من الإسلام. لا معقل أحرز من الورع. لا شفيع أنجح من التوبة. لا داء أعيا من الجهل. لا مرض أضنى من قلة العقل. لسانك يقتضيك ما عودته. المرء عدو ما جهل. لا ظهير كالمشاورة. رحم الله امرأ عرف قدره، ولم يتعد طوره. إعادة الاعتذار تذكير الذنب. النصح بين الملأ تقريع. نفاق المرء ذلة. الجزع أتعب من الصبر. المسؤول حر ما لم يعد. أكبر الأعداء مكيدة أخفاهم مشورة. من طلب ما لم يعنه فاته ما يعنيه. الراحة مع اليأس، والحرمان مع الحرص. من كثر مزاحه لم يخل من حقد عليه أو استخفاف به. عبد الشهوة أذل من عبد الرق. رب ساع فيما يضره” (الإعجاز والإيجاز، أبو منصور الثعالبي).

المقولات التي تم استخلاصها من كلام الإمام عليّ كرم الله وجهه، كثيرة ولا يتسع المجال هنا لعرضها، ولكن المهم في تلك المقولات أنها تعبر عن جوامع الكلم، وأنها جاءت مصاغة بشكل موجز ومليء بالحكمة، بحيث تصلح كل عبارة لكي تكون حالة في حد ذاتها، وتشرح سلوكًا إنسانيًا مكتملاً، وهذه موهبة يعطيها الله سبحانه لمن يشاء من عباده المخلصين. إننا لا نجد قولاً فيما ذكرناه هنا يمكن الوصول إلى معناه بسهولة، مما يعني أنها خارج عن تجربة وخبرة بالواقع ومعايشة لتلك المقولات وأصحابها، وهي تأتي من باب النصيحة وتقديم يد العون للآخرين ليكونوا حريصين على أنفسهم.