خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

جِناية صاحب الفاشوش على الوزير قراقوش

patrick-tomasso-Oaqk7qqNh_c-unsplash
Patrick Tomasso-Unsplash

  ضُرِب بقراقوش المثل في القسوة والظلم والبغي والتجبر، وكما يقال في المثل: حكم قراقوش، وعلى جانب آخر صوَّرته بعض المصادر التاريخية بوصفه مثالاً للسذاجة والبله، وحُكيت عنه الحكايات التي تشير إلى شخص أحمق، وكثيرًا ما تم تغيير حقائق التاريخ، ومع تعاقب الأجيال تطمس معالمها الحقيقية وترسخ الصورة التي رسمها الخيال، وهذا القول ينطبق علىقراقوشالذي ظلمه التاريخ كثيرًا. وهو أبو سعيد قراقوش بن عبد الله الأسدي، الملقب ببهاء الدين، وقراقوش بالتركية تعني النسر الأسود، كان خصيًّا أبيضَ من خدم أسد الدين شيركوه عم صلاح الدين الأيوبي، فلما تولّى صلاح الدين الوزارة للخليفة الفاطمي العاضد بالله، جعله مسؤول القصر الفاطمي حرصًا على ما فيه، ولما استقل صلاح الدين بشؤون مصر عينه كبيرًا لشؤون القصر الخاص، فأبدى همّة وكفاية في كل ما أسند إليه، وتقدم في الحظوة حتى غدا رجل صلاح الدين الأول، وساعده الأيمن، يوليه كامل ثقته ويندبه لعظائم الأمور.

ذكره ابن إياس فقال: “كان قراقوش القائم بأمور الملك، يسوس الرعية في أيامه أحسن سياسة، وأحبته الرعية ودعوا له بطول البقاء(بدائع الزهور). وقال عنه ابن خلكان: “كان حسن المقاصد جميل النية، وكان له حقوق كثيرة على السلطان وعلى الإسلام والمسلمين(وفيات الأعيان). وقال عنه ابن تغري بردي: “وكان رجلاً صالحًا غلب عليه الانقياد إلى الخير، وكان السلطان صلاح الدين يعلم منه الفطنة والنباهة(النجوم الزاهرة).

قام أعداء قراقوش وحساده ببث الشائعات الملفقة عنه، وكان السبب في هذا كله الرسالة الصغيرة أو الكتاب الذي نُسب إلى أحد منافسي قراقوش في عصره، وهو أسعد أبو المكارم المشهور بابن مماتي المولود في علم 544 ه لأسرة نصرانية، وقد كان أديبًا وكان يتولى منصبًا خطيرًا في الدولة، وهو الإشراف على ديواني الجيش والمال، ولكنه عُزل عن هذا المنصب، فألّف كتابًا يسخر فيه من قراقوش سمّاه: الفاشوش في أحكام قراقوش، وقد صاغه بأسلوب فكاهي، فمال إليه كثير من الناس لمادته الساخرة، ودسّ فيه ما يريد. قال ابن خلكان أن مادة الكتاب موضوعة لكون صلاح الدين الأيوبي كان يعتمد عليه.

   وقد اشتهر قراقوش بصبره وجلده وعزيمته التي لا تلين، وكان ذا موهبة هندسية كشفت عنها أعماله، فكان أول عمل عظيم قام به هو بناء قلعة الجبل على جزء مرتفع من الأرض ومنفصل عن جبل المقطم بالقاهرة، وبنى قلعة المقياس بجزيرة الروضة، ثم سور مجرى العيون الذي ينقل المياه من فمّ الخليج حتى القلعة، ثم شرع في بناء سور عظيم يحيط بالقاهرة والجيزة، لكنه مات قبل أن يتمه، وكان قد حشد له آلاف الأسرى من الصليبيين وغيرهم من عامة الشعب والذين قاموا بتقطيع أحجاره من صحراء الهرم.

    وعندما استرد صلاح الدين عكّا من أيدي الفرنجة، وتهدّم سور المدينة، ترك لقراقوش مهمة إعادة بناء السور المتهدم، ومضى ليحرر الحصون الأخرى من الفرنجة، وعكف قراقوش على عمله بجد وشغف وبعزيمة وواصل الليل بالنهار يبني ويرمم ما تهدم من سور المدينة وحصنها، لكن ما كان ينتهي من عمله هذا، حتى واجه ما لم يكن في حسبانه، فالصليبيون الذين أجلاهم صلاح الدين من القدس وهزمهم بعد ذلك في عكا، تجمعوا ولمّوا شتاتهم الذي كان قد تمزّق، وزحفوا على عكا من جديد فاقتحموا الحصن، وبعد حصار شديد تمكن الصليبيون منهم وأسروا من فيه بما فيهم قراقوش، وبقي في الأسر حتى افتدى صلاح الدين كل الأسرى بعد ذلك.

ولما توفى صلاح الدين الأيوبي، ظل قراقوش على وفائه مع ابنه العزيز في حماية عرش مصر والشام، ثم كان وصيًّا على عرش المنصور ومارس كل مهام السلطنة إلى أن أعفاه منها الملك العادل أخو صلاح الدين، وبعدها لازم بيته حتى توفاه الله عام 597 هـ، ودُفِن في سفح المقطم. ولا تزال صورته مغلوطة عند الكثيرين نظرًا لما أحدثه كتاب الفاشوش وأثره في الناس، وتحوله لمادة تراثية تتناقلها الأجيال.