حجية القياس كمصدر من مصادر التشريع

قرآن 1 Rajab 1442 AH Contributor
حجية القياس
Photo by the dancing rain on Unsplash

حجية القياس والأخذ به من الأمور التي ذهب إليها جمهور الفقهاء في الأحكام التي لا نص فيها من الكتاب والسنة ولم ينعقد فيها الإجماع. ويعرف علماء الأصول القياس بأنه: إلحاق أمر غير منصوص على حكمه بآخر منصوص على حكمه للاشتراك بينهما في علة الحكم. فالحكم الشرعي يعرف إما بالنص، وإما أن يكون بتحري معاني النص ومقاصده، وذلك يكون بالقياس.

ولقد تضافرت الأدلة على حجية القياس من النصوص القرآنية، والسنة النبوية، وإجماع الصحابة، والقواعد المنطقية. وسنجمل ذلك فيما يلي:

من النصوص القرآنية

قوله تعالى: (يأيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر)

ووجه الدلالة على حجية القياس من الآية: أن الرد إلى الله والرسول لا يكون إلا بتعرف الأمارات الدالة منهما على ما يرميان إليهما. وذلك بتعليل أحكامهما والبناء عليها، وذلك هو القياس. وقوله تعالى: (ولكم في القصاص حياة)

ووجه الدلالة من الآية الكريمة على حجية القياس: أن الآية ذكرت علة القصاص والحكمة منه، وفي ذلك إشارة قرآنية واضحة إلى وجوب القياس حيث لا نص، حيث تضمنت النصوص الإشارة إلى مقاصدها العامة والخاصة، فكان حقا علينا أن نقيس ما لم تنص الشريعة على ما نصت بجامع العلة المشتركة، وذلك هو القياس.

من السنة النبوية

روى أبو داوود في سننه وغيره: أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال للنبي صلى الله عليه وآله وسلم: (صنعت يا رسول الله أمرا عظيما. قبلت وأنا صائم) فقال له سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم؟ فقال عمر: لا بأس، فقال له الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: فصم).

وجه الدلالة من الحديث على حجية القياس: أن رسول الله ربط بين المضمضة بالماء في الصيام، والقبلة فيه. ونبه إلى المماثلة فيهما من حيث إن كليهما يؤدي إلى أمر مفطر، وربما لا يؤدي. فليس فيه بذاته إفطار، وبالمماثلة بينهما يتساويان في الحكم، فإذا كانت المضمضة لا تفطر. وعمر يعلم ذلك، فكذلك يجب أن يعلم أن القبلة لا تفطر.

وهكذا يرشد سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الصحابة الكرام إلى تطبيق مبدأ القياس في الأحكام. حيث أرشدهم إلى استخراج الأحكام التي لم يجدوا فيها نصا بحملها على بعض النصوص التي تشابهها في العلة.

من أقوال الصحابة وعملهم

إن المتتبع لأحوال الصحابة رضوان الله تعالى عليهم في اجتهاداتهم سيتوصل إلى انعقاد الإجماع عندهم على ثبوت القياس في الأحكام. فهذا سيدنا أبو بكر رضي الله عنه يعطي الجد حكم الأب في الميراث؛ باعتباره أبا لأن فيه معنى الأبوة.

وحبر الأمة عبدالله بن عباس رضي الله عنه قاس الجد على ابن الابن، وسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه أمر سيدنا أبا موسى الأشعري وقال له: (اعرف الأشباه والنظائر، ثم قس الأمور عند ذلك)، ومن الصحابة من بايع أبا بكر لأن سيدنا النبي اختاره في إمامة الصلاة. فقاسوا الإمامة العامة على إمامة الصلاة، وقالوا: (اختاره لأمر ديننا أفلا نختاره لأمر دنيانا؟)، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه قاس حد الشرب على حد القذف باعتبار أن الشرب يؤدي إليه.

من العقل والمنطق

إن الاستدلال العقلي في كل ما تنتجه براهين المنطق قائم على الربط بين الأمور بالمماثلة الثابتة فيها ليتوافر الشرط في إنتاج المقدمات لنتائجها. وإن هذه المماثلة لا تنتج نتائجها المقررة الثابتة إلا بالاعتماد على البديهة المقررة الثابتة. وهي: أن التماثل يوجب التساوي في الحكم. وهذا هو عين القياس.

وبهذا يتبين لنا جليا أن القياس أصل من أصول الاستنباط ثبت بالكتاب والسنة. بالإشارات إلى تعليل الأحكام، ودوران الحكم مع علته وجودا وعدما. كما ثبت بإجماع الصحابة، وكذا بالقواعد العقلية المنطقية. فالقياس في حقيقته ليس إلا إعمالا للنصوص بأوسع مدى للاستعمال، فليس تزايدا عليها، ولكنه تفسير لها.

محمد عبدالرحمن النادي

باحث بالدراسات الإسلامية.