خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

المهمة السرية والبطولية لحذيفة بن اليمان

ضرب الصحابي حذيفة بن اليمان رضي الله عنه، المثل والقدوة الحسنة في القيام بالمهام التي أوكلها إليه النبي صلى الله عليه وسلم، بل إنه كان كاتم أسراره، فقد أسرّ له النبي صلى الله عليه وسلم بأسماء المنافقين وأمره أن يكتم ذلك، وقد شهد الخندق وكان له بها ذكر حسن. وقد شهد رضي الله عنه الحرب بنهاوند، وعندما قُتل أمير الجيش النعمان بن مقرن، أخذ الراية وفُتحت على يديه همذان والري والدينور، وقد استعمله عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المدائن، فلم يزل بها حتى مات بعد استشهاد عثمان وبيعة عليّ رضي الله عنهما بأربعين يومًا، وكان ذلك في عام 36 هـ.

مهمة حذيفة بن اليمان السرية

وتعد تلك المهمة التي بين أيدينا الآن واحدة من المهمات الخاصة والسرية والتي تحتاج إلى بطل خاص، قد آتاه الله من الشجاعة والبسالة ما يفوق غيره. وكانت المهمة ضمن أحداث غزوة الأحزاب في شوال 5 هـ، وقد استغرقت جزء من الليل، لكنها ذات فائدة عظيمة، ودلت على صلابته وقوة إيمانه رضي الله عنه. ومن المعلوم أن غزوة الأحزاب كانت من أشد الغزوات التي مرت بالمسلمين، فقد كان خطره كبيرة، وكان حذيفة رضي الله عنه موكل بمفرده بمهمة عاجلة وخاصة جدًا، ألا وهي أن يدخل إلى معسكر المشركين فيأتي النبي صلى الله عليه وسلم بخبرهم وأحوالهم.

كان الجور قارص البرودة، وظلمة الليل حالكة، فسار لوحده، ولم يكن يرتدي رغم ذلك إلا ثوبًا واحدًا لا يتعدى ركبتيه، ولنا أن نتخيل ذلك الموقف، رجل يدخل إلى معسكر الأعداء وحيدًا شريدًا خائفًا، ويقوم بمهمة خطرة لأقصى درجة، ويتحمل في سبيل ذلك الكثير من المعاناة. ويصور حذيفة بن اليمان رضي الله عنه تلك المهمة ويصفها.

الرواية كما هي

فعن إبراهيم التيمي عن أبيه قال: “كنا عند حذيفة، فقال رجل: لو أدركتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلتُ معه وأبليتُ، فقال حذيفة: أنت كنتَ تفعل ذلك؟ لقد رأيتُنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب، وأخذتنا ريح شديدة وقُرٌّ “والقر: البرد الشديد”، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ألا رجلٌ يأتيني بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا فلم يجِبْهُ منا أحد، ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا فلم يجبه منا أحد، ثم قال: ألا رجل يأتينا بخبر القوم جعله الله معي يوم القيامة؟ فسكتنا فلم يجبه منا أحد، فقال: قم يا حذيفة، فأتِنا بخبر القوم، فلم أجد بدًّا إذ دعاني باسمي أن أقوم.

قال: اذهب فأتني بخبر القوم، ولا تَذْعَرْهم عليَّ “والمعنى أي لا تجعلهم يفزعون”، فلما وليتُ من عنده جعلت كأنما أمشي في حمَّامٍ حتى أتيتُهم، فرأيت أبا سفيان يَصْلي ظهره بالنار “أي: يقرب ظهره من النار بغرض التدفئة”، فوضعتُ سهمًا في كبد القوس “أي في مقبض القوس بغرض الإطلاق”، فأردتُ أن أرميَه، فذكرتُ قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: ولا تذعرهم عليَّ، ولو رميتُه لأصبتُه فرجعتُ وأنا أمشي في مثل الحمَّام “أي: الماء الحار”، فلما أتيتُه فأخبرته بخبر القوم، وفرغتُ قُرِرْتُ “أي: أصابه البرد”، فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضلِ عباءةٍ كانت عليه يصلي فيها، فلم أزل نائمًا حتى أصبحت، فلما أصبحت قال: قُمْ يا نومانُ”. [مسلم: 1788)، والنومان: هو كثر النوم، وتقال في النداء.

مهمة ناجحة

تلك هي المهمة السرية التي خرج فيها هذا الصحابي الجليل، فنجح فيها وعاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم ليخبره بأمر الجيوش المقيمة، وقد دل ذلك على جواز استخدام التجسس في الحروب، وبعثهم لتقصي الأخبار. لقد زحف حذيفة رضي الله عنه متحديًا الظروف والأحداث، وقد منحته شجاعته الإيمانية القدرة على الثبات والتقدم في مهمته بإتقان، ورغم أنه لم يكن في البداية راغبًا في الذهاب نظرًا للأحداث العصيبة التي تحيط بالمهمة، فإنه لم وقع أمر اختياره من قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يتوانَ عن تلبية النداء وأطاع الأمر الصادر له بحب وطيب نفس. كما أن سكوت الصحابة الكرام لم يكن جبنًا أو خوفًا بل كان شدة تقدير لطبيعة الموقف بالغ الصعوبة، ولا يريد أحدهم أن يُؤتى الإسلام من جانبه إن أخفق.

المراجع:

  • أسد الغابة، ابن الأثير: 1/ 468، و 1/ 467،
  • الإصابة، ابن حجر 2/ 39
  • شرح النووي على صحيح مسلم