خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

حروب الماء القادمة

© Joaquin Corbalan | Dreamstime.com

كان الناس منذ مدة طويلة يتحدثون عن حروب النفط والضغط العالمي المتزايد على هذا الخام الأسود النفيس، وظل العالم ينقب عنه ويبحث لإيجاده، ويستخدم كل الوسائل المتاحة أمامه، لكنه ومع مرور الوقت أصبح الخام الغالي الثمن متاحًا في أماكن شتى، وبدأت الثورة الصناعية تأخذ حيزها الواسع وأسلوبها المتمكن المعتمد على النفط ومشتقاته، وحينها لم يكن أحد يظن أن العالم سيأتي عليه يوم يبحث عن الماء كبحثه عن البترول، وأن الحروب المُقامة للنفط ستتحول إلى حروب مياه قادمة تنذر بالخطر، فالماء شريان الحياة وإذا توقف ضاعت الحياة وهلك الناس، ومن ثَم فإنه مسألة حياة أو موت، أكون أو لا أكون، ومن هنا تكمن مشكلته، وهذا بخلاف النفط الذي يمكن أن يعطل جزءًا من الحياة دون هلاك الناس.

ونظرًا لأن الشح المائي بدأ يلوح في الأفق، كما أن الجفاف وشدة درجات الحرارة مع زيادة عمليات التبخر قد أخذت تعمل عملها في الشح المائي، فإن الباحثين والمنظمات الدولية قد تنبأت باحتمالات حروب مياه قادمة لا محالة لسد الاحتياجات الأساسية للحياة، وجزء آخر من تلك الحروب لا يتمثل في التنازع على المياه بل في البحث عنها أيضًا وإيجاد البدائل. والعامل المائي مرتبط بصورة مباشرة بالأحوال السياسية باعتبار السيطرة على الماء جزءا من الهيمنة، وبدول الجوار التي تمتلك كميات المياه، وبحالة الندرة المالية التي بدأت تسود العالم أجمع، رغم أن هناك مناطق كثيرة فيها زيادة مائية عند الحد، فإن كميات المياه آخذة في التناقص رويدًا رويدًا، ومع مرور الوقت ستتحول تلك المناطق إلى مناطق شحيحة مائيًا أيضًا.

ومن المعلوم الآن أن منطقة الشرق الأوسط ويضاف إليها شمال إفريقيا هي الأكثر ندرة وجفافًا على مستوى العالم، ومشاكل ذلك الأمر بدأت في الظهور منذ مدة، وخاصة في النواحي الاقتصادية والتنمية الشاملة، وأخذت الصراعات تتفاقم مع مرور الوقت، ولننظر إلى مشكلة نهر النيل الآن وأزمته الكبيرة بين دول مصر والسودان وإثيوبيا. ومشكلة الأتراك مع دول الخليج العربي، إذ يقولون في تصريحاتهم نعطيكم الماء مجانًا وتبيعوننا النفط.

وإذا كانت مصادر المياه العذبة ذاتها تعتمد على ثلاثة موارد رئيسية، ألا وهي: المياه الجوفية، والمياه السطحية من خلال الأنهار، ومياه الأمطار، فإن هذا لا يعني كثرتها، لأن نسبة ذلك كله تشكل 6% فقط من جملة المياه على الكوكب، أما نسبة 94% الأخرى فهي مياه مالحة لا تصلح للشرب. ولذا لجأ الناس اليوم للقيام بعمليات التحلية المختلفة، وإعادة تدوير مياه الصرف الصحي واستخدامها للزراعة، إضافة إلى إنشاء الآبار الجوفية لاستغلال نسبة 24% من نسبة المياه العذبة الكامنة بين طبقات الصخور. وكل تلك الجهود تؤتي ثمارها في كثير من المناطق، إلا أنها في تناقص أيضًا مما يعني أن حروب المياه تقترب، وأن من يملك الماء في المستقبل يمكنه أن يملك كل شيء، ومن لا يملكه يصبح عديم القيمة وسيبحث عن حلول فورية لإنقاذ نفسه ولو تطلب الأمر أن يقتل غيره ليحصل على ما لديه من الماء.

وتعد الإحصائيات التي تنشرها المنظمات الدولية يوميًا صادمة، فهناك عدد كبير من الناس محرومون من المياه الصالحة للشرب يقدرون بـ 884 مليون إنسان حول العالم، وهناك عدد كبير آخر يستخدم موارد غير صالحة للشرب، يتدخل معها الصرف الصحي، وتتسب تلك المشكلة في الدول الفقيرة إلى ارتفاع عدد الوفيات، وانتشار الأمراض وخاصة بين الأطفال، وهو ما ينذر بكارثة محققة.

إن الحلول المتاحة لمشكلة الموارد المائية ونقصها متعلقة باستخدام الحلول التكنولوجية الباهظة التكلفة، ومن خلال توزيع السكان وفقًا للموارد المائية المتاحة، بحيث تتناسب نسبة السكان مع توافر الماء، وإلا فإن حروب المياه ستكون قادمة لا محالة.