خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

حريق الكعبة وحقيقته

© suppasit chookittikul | Dreamstime.com

الكعبة المشرفة من أعظم المقدسات الإسلامية، وقد ورد ذكرها في القرآن الكريم في سورة المائدة مرتين، وقد تعددت أسماؤها لعظمتها، فهي أول بيت وُضِع للناس، وكانت مُعظّمةً لدى عرب الجاهلية، وقد عُمِّرت قبل الإسلام، وذكر الأستاذ عبد القدوس الأنصاري عن سبب عمارتها بأن حريقًا شبّ بالكعبة على إثر تبخيرها من قِبَل امرأة من قريش، وتمت إعادة بنائها. وقد تغيّرت الأحوال داخل الكعبة وخارجها عند البعثة؛ فقد أمر نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بتكسير الأصنام داخلها وخارجها.

ففي عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر الصديق، لم يكن للمسجد الحرام جدار يحيط به، وكانت دُور قريش قريبةً من المسجد، فضاق على الناس، فوسَّعه عمر بن الخطاب، إذ اشترى دورًا فهدمها وزاد في المسجد، ثم اتخذ للمسجد جدارًا قصيرًا دون القامة، وكانت المصابيح تُوضع عليه. وعندما استُخلف عثمان بن عفان وسَّع المسجد واشترى دُورًا وزاد في مساحته حتى يسع الناس، ويقال إن عثمان  هو أول من اتخذ أروقةً له، ولما أخذ الحصين بن نميرأحد أمراء الدولة الأموية، يرمي عبد الله بن الزبير وأصحابه  بالحجارة وهم حول الكعبة، عمد ابن الزبير إلى وضع ألواح حول البيت وعلى المسجد، وألقى عليها الفُرش حتى توفر لهم غطاءً من الحجارة المنهمرة عليهم من أعالي الجبال المحيطة بالحرم، وحتى يتمكنوا من أداء الصلاة والطواف بالبيت وهم آمنون.

ويقول الدكتور محمد بن عبد الهادي الشيباني: “وكان ابن الزبير قد جعل فسطاطًا (خيمة) في المسجد فيه نساء يسقين الجرحى ويطعمن الجائع، ومن الطبيعي أن يكون هذا الفسطاط قريبًا من الكعبة وفي الجهة الغربية منها، حتى يتوفر له الحماية من أحجار المنجنيق، وابتنى كذلك أيضًا في داخل المسجد خيامًا أخرى ربما كانت معدّة ليرتاح فيها المقاتلون، وقد تسببت كثرة الخيام والفُرش المبسوطة على الألواح إلى احتراق الكعبة فيما بعد، وليس هناك ثمة خلاف في ذلك، ولكن الخلاف بين الروايات يدور حول: مَنْ قام بإشعال النار؟  أيْ مَنْ هو الذي بدأ فأحرق الخيام حتى سرت النار فيها جميعًا إلى أن احترقت الكعبة؟“.

بينما يذكر عروة بن الزبير أن السبب في إشعال النار هو الحصين بن نمير، وذلك حينما قال لجنده: لا يزال يخرج إلينا من ذلك الفسطاط أسدكأنما يخرج من عرينه، فكافأه أحد جنوده ووضع شمعة في طرف رمحه ثم ضرب فرسه ثم طعن الفَسْطاط، فالتهمت النار الكعبة يومئذٍ مؤزرة بالثياب، فطارت الريح باللهيب فاحترقت الكعبة. بينما يقول أحد أصحاب ابن الزبير يقال له ابن عوف: ما كان احتراقها منّا وذلك أن رجلاً منا، وهو مسلم بن أبي خليفة المذحجي، كان وأصحابه يوقدون في خصاص لهم حول الكعبة، فأخذ نارًا في رمحه فيه نفط وكان يوم ريح، فطارت منها شرارة فاحترقت الكعبة.

ويذكر المدائني فيقول: إن أهل الشام لما حصروا ابن الزبير، سَمِع صوتًا فوق الجبل فخاف أن يكون أهل الشام قد وصلوا إليه، وكانت ليلة مظلمة ذات ريح شديدة صعبة ورعد وبرق، فرفع نارًا على رأس الرمح لينظر إلى الناس، فأطارتها الريح، فوقعت على أستار الكعبة فأحرقتها.

ومن الملاحظ من خلال الروايات أن الكعبة لم تكن مقصودةً بذاتها بالإحراق، بل إن إحراق الكعبة جاء نتيجة لحريق الخيام المحيطة بها، ثم إن الريح الشديدة التي صادفت ذلك اليوم، كانت أحد العوامل الرئيسة في نقل الحريق إلى الكعبة، ومما يدلّ على أن الكعبة لم يقصدها أحد بالحرق، ما أحدثه حريقها من ذهول وخوف من الله لكلتا الطائفتين. وقد وردت تصريحات لبعض أقارب ابن الزبير وبعض السلف والعلماء المحققين بأنهم لم ينسبوا إلى أحد من الطائفتين المسؤولية عن حريق الكعبة أيام ذلك الحصار، حتى إن أحدًا من كبار التابعين من رواة مسلم لم يهتم بإحراق الكعبة.

إن حريق الكعبة كان حدثًا عظيمًا، وإن كان الحرق لم يكن مقصودًا من كلتا الطائفتين المتنازعتين.