نشرة SalamWebToday
Sign up to get weekly SalamWebToday articles!
نعتذر منك، حدث خطأ بسبب:
باشتراكك، أنت توافق على شروط سلام ويب و سياسة الخصوصية
النشرة الفنية

حسن فتحي: الهندسة المعمارية من منظور أكثر إنسانية

فن 8 Jumada Al Oula 1442 AH
أحمد جمال
حسن فتحي

على طول المدى يتزاحم في خاطرنا ذاك الصراع المتواصل بين الانتماء إلى أبراج شاعريتنا، وبين التواجد والمشاركة ضمن نطاق الواقع الصارم الزاخر بصنوف التحدي والمقاومة. إن أبسط ما يمكننا فعله لصالحنا وصالحنا فقط هو الانتماء لتلك الشاعرية والانزواء بها بعيدًا عن كل خطب أو ألم. وأعظم ما يمكننا فعله هو الانخراط ضمن الواقع والتفاعل معه بذلك القدر الذي يمكننا من أن نضفي عليه شاعرية نتمناها، وهذا الأمر هو بالفعل ما أقدم عليه المعماري المصري حسن فتحي قبل قرن من الزمان.

إن رؤية أحدنا للريف بوجه عام ربما لا تتخطى ذلك المنظور الجميل السابح في الجداول، الحافل بالبساطة، المُقيم مع اللون الأخضر الحي. كذلك ربما رؤية أحدنا للصحراء لا تتخطى تلك الهيئة الصافية والسماء الليلية البراقة بزينتها ومصابيحها، بينما في الحالتين تحجبنا تلك الرؤية الإيجابية عن مشاكل مستشرية تواجه ساكني هاتين الطبيعتين، حيث الفقر والعوز ومشكلات الري والبعوض والشقاء المقيم في حرث الأراضي والعمل تحت وطأة شمس حارقة والمعيشة في ظلال بيوت هشة غير صحية لا توفر القدر الأدنى من الأمان النفسي أو الصحي.

عاين حسن فتحي المتوفي عام 1989م كلا الأمرين، عاين أولًا تلك النظرة الشاعرية تجاه الريف المصري وما يمثله من جمال وراحة نفسية، وعاين ثانيًا تلك النظرة الواقعية الصادمة للريف حيث شقاء أهله وعدم توفر الحد الأدنى لهم من إمكانيات المعيشة الكريمة. اختار فتحي ألا يظل ساكنًا مستسلمًا بين النظرتين، وأراد لذاته أن ينخرط في الواقع بذلك القدر الذي يتمكن من خلاله محو السلبيات أو جزءا منها؛ ومن ثم الاقتراب أكثر من الصورة الحالمة التي سكنت جوانحه عن الريف وما يمثله.

لقد كان انخراطا وقرارا تأكد في نفسه، دفعه لأن يُسخّر تخصصه المعماري من أجل تحقيق ما يصبو إليه، وهو ما كان بالفعل.

لم يُسخّر فتحي تخصصه فحسب؛ بل سخر كامل حياته من أجل مساعدة أهل الريف في تحسين أوضاعهم المعيشية.

فتحي ابن العائلة الأرستقراطية المالكة لمئات الأفدنة من الأراضي الزراعية و المهيمنة على كثير من مجريات الأمور، اختار أن يغادر رفاهيته قليلا وأن يبدأ في خط طريق وحلم جميل أسماه عمارة الفقراء، طريق أراد به أن يساعد ساكني الريف الفقراء في توفير مساكن ملائمة لهم بأقل التكاليف، مستلهمًا ذلك من بيئتهم وما اعتادوا أن يصنعوا منه بيوتهم.

لم تكن القيمة التي أراد لها فتحي أن تُسطّر هي توفير مساكن ملائمة منخفضة التكلفة فحسب؛ بل أراد كذلك أن يخترق النمط الرأسمالي الغارقة فيه المدن من حيث تشكيلاتها المعمارية الإسمنتية شديدة القسوة في رأيه، والتي ترفع درجة حرارة المنزل بمقدار 17 درجة مئوية، أراد حسن فتحي أن ُيقر قيمة تراحمية تعيد للهوية مركزيتها وتعطي كل بيت تفرّده وتميّزه المعماري المختلف عن بقية ما حوله من مساكن، فالإنسان في رأيه لا يجب أن يكون ذلك الرقم المعطى لكل مواطن.

وهو بالفعل ما خطه على أرض الواقع عبر مسيرة طويلة من البحث والتطوير أفنى فيها حياته باحثًا عن منهج علمي سديد يتلاقى فيه العلم مع الإنسان ويحفظ فيه الأول للأخير تقليده البنائي المتوارث وفي نفس الوقت يدعمه بالقوة والمتانة والتطوير الهندسي المفضي لاستمراره أطول فترة زمنية ممكنة.

كأي مبدع وبعد محاولات كثيرة غير موفقة، تجسد حلم حسن فتحي مكتملًا في “القرنة”  تلك القرية النوبية الواقعة أقصى جنوب مصر. والتي أسُند إليه تصميمها والعمل على إنشائها من البداية للنهاية، حيث استطاع إنجازها على الشكل الذي استقرت عليه نظريته المعمارية الفلسفية، التي ترى ضرورة أن يكون كل بناء مستلهمًا من بيئته ومواده المتوفرة وطرقه المتوارثة، حفاظًا على الهوية وابتعادًا عن الغرق في قُبح الحداثة ومساكنها الوظيفية. التي تنمط الإنسان وتجعل منه ومن حياته مجرد رقم يمشي على الأرض.

الطوب اللبن المصنوع من الطين يراه الجميع في البيئة الريفية رمزًا للفقر والتداعي الاقتصادي نظرًا لضعفه التكويني ومظهره المُعتم الشاحب، لكن فتحي أصر على رؤيته رمزًا للبيئة والهوية وقرر عبر تجارب متعددة، توزعت على مدى زمني طويل إثبات إمكانية تدعيم هذا النوع من الطوب معماريًا بالشكل الكافي. ليبرز في الأخير كمادة ثرية للبناء يمكن الاعتماد عليها في إنتاج منازل لها فخامتها وقوتها مع الحفاظ على محدودية تكلفتها المادية.

لم تتوقف نظرية فتحي لدى البيئة الريفية ومادتها الطينية، بل امتدت لتكون عامة بالشكل الذي أقرت إمكانية الأمر لكل بيئة، فمواد أي بيئة هي الأولى بمواجهة ظروفها ومشكلاتها، وفي هذا يقول:

إن الله قد خلق في كل بيئة ما يقاوم مشكلاتها من مواد؛ وذكاء المعماري يكمن في التعامل مع المواد الموجودة تحت قدميه لأنها المواد التى تقاوم قسوة بيئة المكان.

ومن هذه النظرية المحلية انطلق المعماري حسن فتحي نحو العالمية حيث نال عديد جوائز واحتفي به العالم أيما احتفاء، ولعل أبرز جوائزه بعد جائزة نوبل البديلة التي يقدمها البرلمان السويدي، هي الميدالية الذهبية من الاتحاد الدولي للمعماريين التي حصل عليها عام 1984م  كأفضل مهندس معماري في العالم عن تصميمه “قبة الاتحاد الدولي للمعماريين “UIA”.

رأى حلم فتحي النور بقرية القرنة وعديد من الأعمال المعمارية الأخرى، لكنه لم يطبق على ذاك النطاق الواسع الذي تمناه، ولم يُستفاد منه حتى الآن على الشكل المأمول، حتى أن قرية القرنة التي جسد فيها فكرته على أتم ما يكون؛ زحفت فيها الكتل الإسمنتية البغيضة بشكل مُفجِع أتى على معظمها ولم يتبق منها حاليًا – مما بناه فتحي- سوى جامع القرية بالإضافة إلى السوق وبعض المنازل القليلة، وهو ما حث هيئة الحفاظ على التراث العالمي التابعة لليونسكو لإعلانها ضمن مواقعها الأثرية العالمية المهددة بالانقراض.

حول المسكن وانطماس هويته في عصرنا الحالي يقول أحمد الديب في مجموعته القصصية حكايات ما بعد النوم:

كان يُدعى سكن من السكون إليه، ثم صار بيتا من المبيت فيه، وأخيرا صارت شقة مشقوقة في كتلة أسمنتية، لا يسكن فيها إلا الشقاق ولا يبيت فيها إلا الشقاء.

إنه لوصف آسر وتحليل دقيق مبسط لما صار عليه الحال بالنسبة لمنزل هذا العصر، مجرد شيء وظيفي لا ينتمي للروح ولا للإنسان بصلة، وحسن فتحي كان بمثابة الصوت الرحيم الذي اقتطع نشاز الحداثة وقسوتها وخرج علينا بهذا الجميع الفريد بين العلم والتقليد.

 

بقلم/أحمد جمال

باحث ومدون