خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

فصول من سيرة القاضي حفص بن غياث

إنه القاضي حفص بن غياث الكوفي صاحب السيرة الحسنة والخصال الرفيعة، ولد في سنة سبع عشرة ومائة “117 هـ”، واسمه كاملاً: أبو عمرو بن غياث بن طلق بن معاوية بن مالك بن الحارث بن ثعلبة ابن عامر بن ربيعة بن جشم بن وهبيل بن سعد بن مالك بن النخع بن مذحج النخعي الكوفي. وقد روى عنه طائفة من الناس منهم: أبو نعيم الفضل بن دكين، وعفان بن مسلمة، وأحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، وعامة الكوفيين. تولى أمر القضاء ببغداد، ثم عُزل وتولى قضاء الكوفة.

حفص بن غياث وتوليه القضاء

وكان لتوليته قضاء بغداد في عهد هارون الرشيد قصة طريفة؛ حيث ذكر حميد بن الربيع ذلك فقال: “لما جيء بعبد الله بن إدريس، وحفص بن غياث، ووكيع ابن الجراح إلى أمير المؤمنين هارون الرشيد ليوليهم القضاء دخلوا عليه، فأما ابن إدريس فقال: السلام عليكم، وطرح نفسه كأنه مفلوج “والمعنى أنه تصنع المرض ليهرب من أمر القضاء”، فقال هارون: خذوا بيد الشيخ، لا فضل في هذا؛ وأما وكيع فقال: والله يا أمير المؤمنين ما أتصرف بها منذ سنة، ووضع إصبعه على عينه، وعنى إصبعه، فأعفاه، وأما حفص بن غياث فقال: لولا غلبة الدين والعيال ما وليت”. وقصد حفص من ذلك: أن الحاجة هي التي دفعته إلى القبول بهذا المنصب، ولو استطاع التهرب مثل صاحبيه لفعل.

وقال حفص وهو قاضٍ على الشرقية لرجل يسأل عن مسائل القضاء: “لعلك تريد أن تكون قاضيًا؟ لأن يدخل الرجل إصبعه في عينه فيقلعها فيرمي بها خير له من أن يكون قاضيًا. وكان حفص يقول: لو رأيت أني أُسرّ بما أنا فيه هلكت. وقال عمرو بن حفص بن غياث: “لما حضرت أبي الوفاة أغمي عليه، فبكيت عند رأسه فأفاق فقال: ما يبكيك؟ قلت: أبكي لفراقك ولما دخلت فيه من هذا الأمر، يعني القضاء، فقال لابنه: يا بني ما حَللتُ سراويلي على حرام قط “يعني الوقوع في الزنا”، ولا جلس بين يدي خصمان فباليت على من توجه الحكم بينهما “أي: العدل بين الخصوم”.

الجميع سواء

ومن قوة قضائه وحكمه أنه لم يكن يفرق بين الخليفة وبين أحد من رعيته، ومن ذلك ما ذكره الخطيب حيث قال: “كان حفص بن غياث جالسًا في الشرقية للقضاء، فأرسل إليه الخليفة يدعوه، فقال لرسوله: حتى أفرغ من أمر الخصوم، إذ كنت أجيرًا لهم، وأصير إلى أمير المؤمنين؛ ولم يقم حتى تفرق الخصوم”. ويدل ذلك على قوة حكمه وشخصيته، وأنه قصد العدل وعمل في سبيل الوصول إليه.

وقال غنام بن حفص:

“مرض أبي خمسة عشر يومًا، فدفع إليَّ مائة درهم وقال: امضِ بها إلى العامل وقل له: هذه رزق خمسة عشر يومًا لم أحكم فيها بين المسلمين لا حظ لي فيها”.

وقال أبو يوسف عندما تولى حفص القضاء لأصحابه:

“تعالوا نكتب نوادر حفص، فلما وردت أحكامه وقضاياه على أبي يوسف قال له أصحابه: أين النوادر التي زعمت بكتبها؟ قال: ويحكم إن حفصًا أراد الله فوفقه”.

وفاته

وقد مات حفص بن غياث رحمه الله ولم يخلف درهمًا، بل خلّف وراءه تسعمائة درهم دينًا. ولذا كان يقال: “خُتم القضاء بحفص بن غياث”. وقال الحسين بن المغيرة: “رأى بعض الصالحين كأن زورقًا غرق بين الجسرين وفيه عشرون قاضيًا، فما نجا منهم إلا ثلاثة على سوءاتهم: حفص بن غياث والقاسم بن معن وشريك”. وقال يحيى بن معين: “جميع ما حدَّث به حفص بن غياث ببغداد والكوفة إنما هو من حفظه، لم يُخرج كتابًا؛ كتبوا عنه ثلاثة آلاف وأربعة آلاف حديث من حفظه”. وقال عبيد الله بن صالح العجلي: حدثني أبي قال:

“حفص بن غياث ثقةٌ مأمون فقيه وكان على قضاء الكوفة، وكان وكيع ربما يسأل عن الشيء فيقول: اذهبوا إلى قاضينا فاسألوه، وكان شيخًا عفيفًا مسلمًا”.

وقد مات في سنة أربع وتسعين ومائة “194 هـ” في العشر من، وقيل في سنة 196 هـ، رحمه الله تعالى رحمة واسعة.

المرجع:

وفيات الأعيان، ابن خلكان.