خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

حقيقة الحريم السلطاني

Puteri Baginda Nabi SAW © Leo Lintang | Dreamstime.com

عند ذكر كلمة حرم أو حريم يتبادر إلى الذهن مباشرة قصر طوب قابي، ذلك القصر الذي يوجد في وسط مدينة إسطنبول القديمة بجانب حديقة كول خانة على ساحل مضيق البسفور، ويصوره المرشدون السياحيون والموظفون المسؤولون عنه، وكأنه مركز لمجون السلاطين وملذاتهم، بل ويصورون حياة السلاطين بأنها كانت حياة عابثة ومرفهة إلى درجة أسطورية.

ويذكر المؤرخ التركي المعروف الدكتور أحمد آق كوندوز أنه دخل ذات مرة إلى الحرم في قصر طوب قابي لالتقاط صور بآلة التصوير، وعندما وصل إلى غرفة السلطان التي شاع أنها صالة للهول والمجون مع الجواري، وجد شرح معاني الآيات والأحاديث المنقوشة بخط جميل وجذاب على الخزف في الجدران، فبادره أحد الموظفين المسؤولين في القصر قائلاً: “أستاذي كنا نقول للزوار أن هذه أبيات شعر ماجن لتحريك شهوات الجواري والنساء الفاتنات، لأنها كُتبت بخطوط متداخلة ومتشابكة ومزخرفة فقد يصعب عليهم قراءتها جملة واحدة“.

والذي ينبغي أن نعلمه أن الحريم هو القسم المخصص لزوجات السلطان وعائلته، سواء في قصر طوب قابي أو قصر يلدز أو غيرهما، فقد كان بمنزلة بلاط داخل البلاد، بل كان الحريم مركزًا لدوائر الدولة يجمع ما يشبه اليوم دوائر رئاسة الدولة ورئاسة الوزراء والوزرات.

وهو يضم كذلك الأجنحة المخصصة لعائلة السلطانالحرمالحريمفي المصطلح العثماني، ومعناه هو المكان المصان حرمته، أو الممنوع الدخول إليه من غير أفراد العائلة نفسها، وجرت العادة على تخصيص جزء للنساء في دور السكن في مركز الإدارة لرجال الدولة، وقد اصطلح على تسمية القسم المخصص لعائلة السلطان أو لزوجاته بالحرم السلطاني أوالحرممجردًا.

فقد كانت النساء تُختار بعناية للبلاط، ويذكر أن قصر طوب قابي كان يضم أربعمائة جارية، وكانت البنات يقضين فترة طويلة من التعليم والتدريب.

وفيالحريمكانت السلطة المطلقة لأم السلطانوالدة السلطانويقف إلى جانبها رئيس الخدم. وبالاستناد إلى الروايات فقد كانت النساء تختفي بمجرد أن تسمع وقع نعال السلطان المزودة بمسامير فضية، لأنه كان لا يليق بالسلطان أن يلتقي بهن وجهًا لوجه، وكانت كل واحدة تتجاوز الأنظمة أو المراتب الموجودة تتعرض للعقاب.

بيد أن الكُتاب الغربيين ملأوا كتبهم بأوهام وتصورات عن الحرم العثماني، فهم أول من صوروا بأقلامهم أسطورة تجهيز الجواري للسلاطين في الحرم منذ القرن 17 الميلادي، فقد كتب أحدهم عما تخيله عن نساء الحرم، ثم تبعه سفير البندقية سنة 1606 م بأن ذكر روايات غريبة بأسلوب مثير عن تقديم جواري الغرفة الخاصة وتجهيزهن، وهي أكاذيب يخجل المرء من إعادة ذكرها.

إن الوثائق التاريخية والمذكرات الشخصية لا تذكر على الإطلاق هذه الأساطير، فقد ذكر الفرنسي روبال أكفغير المكلف بأعمال صيانة الحرم في سنة 1960م فقال: ما كُتب في أوروبا عن الحرم لا أساس له من الواقع، فليس الحرم مؤسسة تخدم أهواء السلطان ليعاشر ما يشتهي من النساء، بل حتى هندسة المباني تكذب هذه الادعاءات، فالتصميم الهندسي للأبواب والبيوت والممرات يمنع ذلك، فكان الحرم مؤسسة عسكرية، وهذا أكثر ما لفت نظري أثناء ترميم الحرم وصيانته.

لقد امتلأت كتب المؤرخين الغربيين ومجلاتهم بصور خليعة منسوبة إلى الحريم السلطاني، وهي في الحقيقة من بنات خيال الرسامين الفرنسيين وأوهامهم ولا أصل لها بالواقع، ومن أكذبها تصوير السلاطين في حمام اللبن وسط الجواري العاريات. إن الصورة المنشورة في الكتب المطبوعة في العهد الجمهوري عن الحريم، والبعيدة عن الأوضاع غير المحتشمة، هي إفرازات عقول الغرب ورساميه. ومن خلال هذه الكتب والمذكرات والصور صيغت سيناريوهات المسلسلات التي تجسد هذه الحياة الخيالية العابثة بالسلاطين.

مع العلم أن الحريم السلطاني كان لدى كل عائلة تركية أو عربية، فقد كان الحريمالحرمعبارة عن قسم خاص لا يُسمح للأجانب بدخوله، وكان هذا التنظيم يكمل النظام المعمول به في تلك الأثناء.