خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

حقيقة الدعاء في القرآن والسنة

ID 73733833 © Bizoon | Dreamstime.com

اشتمل كتاب الله تعالى على أدعية كثيرة، وهي أدعية جامعة مانعة، فما حقيقتها؟ يُعرف الحافظ ابن حجر في الفتح ماهية الدعاء بقوله: “والدعاء الطلب والدعاء إلى الشيء الحث على فعله ودعوت فلانا سألته ودعوته استغثته”. ويظهر من ذلك التعريف أن الدعاء هو استدعاء ورغبة ونداء وابتهال بالسؤال واستغاثة، فالذي يدعو اللهَ راغب إليه ومنادٍ له ومبتهل وسائل له ومستغيث به. وقد وردت الأدعية الكثيرة في كتاب الله تعالى دالة على حقيقة الدعاء، فهذا زكريا عليه السلام يخبرنا الله عن حقيقة دعائه فيقول: “إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُن بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا” (سورة مريم: 3-4)، وقال تعالى في موضع آخر: “هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء” (سورة آل عمران: 38)، وقد سمّى الله تعالى الدعاء هنا نداءً، وتم تفسير ذلك النداء في سورة مريم بطلب الولد.

وقد وردت أحاديث نبوية كثيرة توضح حقيقة الدعاء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “إذا دعا أحدكم، فلا يقل اللهم اغفر لي إن شئت ولكن ليعزم المسألة وليعظم الرغبة فإن الله سبحانه لا يتعاظمه شيء أعطاه”. فكان ما يطلبه العبد من ربه دعاء ومسألة رغبة، وفي حديث آخر يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “يستجاب لأحدكم ما لم يعجل فيقول قد دعوت فلم يستجب لي” (أخرجه الترمذي، والحديث متفق عليه)، ويتضح من ذلك أمران: أن تكون رغبة الدعاء حاضرة عند الداعي، وأن يستكثر من الخير، وألا يتعجل الجواب.

ومن حقيقة الدعاء العزم والطلب والسؤال، فعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إذا دعا أحدكم فليعزم الدعاء ولا يقل اللهم إن شئت فأعطي فإن الله لا مستكره له”. (متفق عليه)، فالدعاء إذن طلب ونداء وسؤال. قال الله تعالى: “ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِين وَلاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاَحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين” (سورة الأعراف: 55-56).

وقد أمر الله عباده بالدعاء والطلب، وأن تكون العزيمة قوية في الطلب واليقين في الإجابة مهما طالت مدته. وهناك آداب عامة له، ومن أهمها: التضرع، والخفية، والخوف، والطمع. وقد قال الله تعالى: “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِين” (سورة غافر: 60)، فقد أخبر الله تعالى عباده إلى دعائه وأخبر أن المستكبرين عن دعائه مستكبرون عن عبادته، لأن الدعاء أهم أنواع العبادة وأعظمها. وقد روى الإمام أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن الدعاء هو العبادة” ثم قرأ: “وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ…”. وقد أفاض العلماء في ذلك فقالوا إن العبادة معظمها دعاء وطلب، وفي سورة الفاتحة التي نقرؤوها في كل صلاة فإننا نتوجه إلى الله بالدعاء: “اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ”.

ومما سبق تظهر حقيقة الدعاء بأنه العبادة، وأنه طلب ودعاء وسؤال يتوجه به العبد إلى الله تعالى بعزم وصدق، أما أن يدعو الإنسان غير الله تعالى فهذا منهي عنه أشد ما يكون النهي، بل قد حكم العلماء على فاعله بالضلال. ويجب على العبد أن يركز في الدعاء وأن يتقرب إلى الله به، وألا ييأس من رحمة الله، وليكن على يقين بأن الله تعالى سيستجيب له عاجلاً أم آجلاً، ويكفي ما يحصله من الثواب والخير على دعائه وتضرعه وصدق عزيمته.