خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

حمق إبليس وغوايته

ID 158924705 © Samet Guler | Dreamstime.com

يفسر ابن الجوزي في كتابه أخبار الحمقى والمغفلين سبب ما فعله إبليس، بأنه نوع من الحمق، وأنه وإن كان عاقلاً وهو يفعل ذلك، غير أن إصراره على ما فعل يعد حمقًا كبيرًا ومن نوع خاص، إذ يعتبره الحمق الأكبر للبشرية. ولا شك أن إبليس من خلال تكبره وعناده ورفضه لما خلقه الله، قد غدا حالة مستعصية على الفهم، وتحتاج إلى تفسير وإدراك لتلك الشخصية التي ترفض الانصياع لأمر الله، فتصبح من الخاسرين، وليس هذا فقط، بل تقوم بغواية البشر ودفعهم إلى المعصية والجحود، ولكنها إرادة الله تعالى قبل كل شيء.

يصف ابن الجوزي ذلك محاولاً تفسير شخصية إبليس بأنه أول العقلاء الحمقى، فيقول: “فأول القوم إبليس، فإنه كان متعبدًا مؤذنًا للملائكة فظهر منه من الحمق والغفلة ما يزيد على كل مغفل، فإنه لما رأى آدم مخلوقًا من طين، أضمر في نفسه لئن فضلت عليه لأهلكنه، ولئن فضل علي لأعصينه. ولو تدبر الأمر لعلم أنه كان الاختيار قد سبق لآدم لم يطق مغالبته بحيلة ولكنه جهل القدر ونسي المقدار”. (أخبار الحمقى والمغفلين، ص 88)

ثم يبين السبب الثاني لجعله ضمن تلك الطائفة من الحمقى بل من أوائل الحمقى الذين اعترضوا على حكمة الله فيقول: “ثم لو وقف على هذه الحالة لكان الأمر يحمل على الحسد، ولكنه خرج إلى الاعتراض على المالك بالتخطئة للحكمة، فقال: “أرأيتك هذا الذي كرمت عليّ” والمعنى لِمَ كرمته؟ ثم زعم أنه أفضل من آدم بقوله: “خلقتني من نارٍ وخلقته من طين” ومجموع المندرج في كلامه: أني أحكم من الحكيم وأعلم من العليم، وأن الذي فعله من تقديم آدم ليس بصواب هذا، وهو يعلم أن علمه مستفادٌ من العالم الأكبر فكأنه يقول: يا من علمني أنا أعلم منك، ويا من قدر تفضيل هذا علي ما فعلت صوابًا”. (أخبار الحمقى والمغفلين، ص 89)

ويقف ابن الجوزي على سبب ثالث لغواية إبليس وحمقه، ألا وهو أنه رضي بهلاك نفسه، واندفع نحو ذلك دفعًا شديدًا. يقول: “فلما أعيته الحيل رضي بإهلاك نفسه فأوثق عقد إصراره ثم أخذ يجتهد في إهلاك غيره ويقول لأغوينهم، وجهله في قوله “لأغوينهم” من وجهين؛ أحدهما: أنه أخرج ذلك مخرج القاصد لتأثر المعاقب له، وجهل أن الحق سبحانه لا يتأثر ولا يؤذيه شيءٌ، ولا ينفعه، لأنه الغني بنفسه. والثاني: نسي أنه من أريد حفظه لم يقدر على إغوائه، ثم انتبه لذلك فقال: “إلا عبادك منهم المخلصين”، فإذا كان فعله لا يؤثر وإضلاله لا يكون لمن قدرت له الهداية فقد ذهب علمه باطلاً”.

وإضافة إلى ما سبق فقد رضي إبليس على نفسه الخسة والدناءة، أو كما يقول بن الجوزي: “ثم رضي لخساسة همته بمدة يسيرة يعلم سرعة انقضائها فقال: “أنظرني إلى يوم يبعثون”، وصارت لذته في إيقاع العاصي بالذنب كأنه يغيظ بذلك ولجهله بالحق أنه يتأثر، ثم نسي قرب عقابه الدائم فلا غفلة كغفلته ولا جهالة كجهالته وما أعجب قول القائل في إبليس “من الرجز”:

 عجبت من إبليس في نخوته … وخبث ما أظهر من نيته

تاه على آدم في سجدةٍ … وصار قوادًا لذريته”.

لقد كان إبليس في كل ذلك يرسم لنفسه طريقًا متعرجًا، يناقش الأمر بدعوى أن له الأفضلية، وكأنه يود فهم الأمر فقط، ثم يعترض على أمر الله تعالى، ثم يستكمل غوايته بأن يطلب لنفسه الهلاك، ولا يكتفي بذلك مطلقًا بل ينزل منزل الدناءة والخسة ويطلب الإنظار إلى يوم يبعثون حتى يقوم بمهمة الإغواء كما ينبغي. إن حمق إبليس وغوايته أمران متلازمان، فهو لم يسخر عقله الذي أعطاه الله إياه في الخير، بل أصر على سيئ الأفعال، فكان ذلك حمقًا منه لنفسه ولغيره.