خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

حوار بين شاب صغير ورجل حكيم

ID 74067968 © Mohamed Ahmed Soliman | Dreamstime.com

هذا حوار بين شاب صغير لم يخض التجارب، ولم يتبحر في الحياة، وبين رجل كبير حكيم ومجرب، عرف الحياة عن كثب وعاش تفاصيلها، فعرفها واكتوى بنارها، ذاق حلوتها ومرارتها معًا. وقد أراد الشباب البحث عن إجابات شافية لأسئلته، فذهب إليه راجيا أن يجد لديه ما يروي غليله. وكان بينهما الحوار التالي:

الشاب: هل يمكن أن يتعرض الشباب اليوم لما تعرض له سيدنا يوسف عَليه السَّلام قبل ذلك؟

الرجل: نعم، وربما لن ينجو أحدٌ من ذلك تمامًا!

الشاب: وكيف ذلك؟

الرجل: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “كُتِبَ على ابن آدم نصيبه من الزنا، مُدركٌ ذلك لا محالة، فالعينان تزنيان وزنهما النظر، والأذنان تزنيان وزنهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرِّجل زناها الخُطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدِّق ذلك الفرج أو يكذبه(رواه أحمد والبخاري ومسلم).

الشاب: إذًا، هل يعدُّ كل ما يورده الشيطان على الإنسان من أفكار وخيالات جريمةً وخطأ؟

الرجل: ليس الأمر كذلك، إذ إن حكمة الله سبحانه وتعالى قد اقتضت أن جعل في نفْس كل إنسان دواعي الشر ودواعي الخير، قال تعالى: “وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا  فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا” (سورة: الشمس: 7- 8). وجاء في الحديث الشريف المتفق عليه أن: “الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم“. فالخواطر والخيالات وحديث النفس موجودة، ولكن هل يرضى بذلك الإنسان أم لا؟ حتى إن أحد الصحابة قال: إن نفوسنا لتحدثنا بأمور لأن نخرّ من السماء خير من أن نتحدث بها. قال صلى الله عليه وسلم: “أوجدتم ذلك؟ ذلك صريح الإيمان” (رواه مسلم). بل من حكمة الله أن جعل في النفوس ميلاً وهوى، حيث قال تعالى: “زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ  ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ” (سورة آل عمران: 14)، ولم يستمر نسل البشرية إلا بما وضع الله في الناس من رغبة في الزواج وحب للتكاثر.

الشاب: كيف يتعامل الشباب عندما تكون لديهم هذه النوازع والتطلعات في هذه المرحلة العمرية؟

الرجل: يقول صاحب كتاب عاطفة الحب بين الإسلام ووسائل الإعلام: وهذه المرحلة التي يمر بها الشباب، هي مرحلة التهاب المشاعر وثورة العواطف، فترة الأحلام الوردية، والخيال المجنح، والنظرة الحالمةوحينما تتفتح عين الشاب وسمعه ويتمادى في هذه المرحلة في سماع أغاني الغرام، ومسلسلات الحب، وأفلام الإغراء التي تبثها وسائل الإفساد وتزينها حتى يظل الفتى شاردَ الفكر مسلوبَ القلب. فمن الشباب مَن يسجل الأغاني ويحفظها، ويشتري كتبًا ومجلاتٍ وأشرطةً رخيصةً تحمِل بين دفتيها كلمات الغرام، وعبارات العشق والهيام، ويحفظ العبارات المعسولة والأبيات المنحرفة.

ومن هنا تبدأ الأعراض في الظهور عليه؛ من اضطراب وسهر وأرق، وإضراب عن الطعام، وأحلام يقظة وسرحان وتوهان، وانصراف عن المذاكرة والتحصيل. وتلك تصرفات المراهقين التي لا يجني الفتى من ورائها إلا تشتت الذهن، وتبدّد الطاقة، والسهر، والقلق، والشعور بالملل من الأمور الجادة، ومن ثَمّ الانصراف عن الدراسة وتحطيم المستقبل على صخرة العاطفة مع أصحاب السوء. وهذا الفتي إذا سار على هذا الطريق، فقد حُكم على مستقبله بالضياع.

وأمّا الشاب صاحب العزيمة القوية، والذي لم يجعل لهذه الأفكار السقيمة سلطانًا على قلبه وعقله، فلم تشغله عن الوصول إلى قمة المجد التي يسعى إليه، تراه يزن الأمور ويقلبها على وجوهها، ويعلم النافع من الضار، ويصل إلى الحقيقة من مراقبته لله في أقواله وأفعاله، ويصل إلى الطريق المستقيم بتوفيق من الله وبسعيه الحثيث نحو الحق والخير. يأخذ برأي الخبراء والحكماء، ويلتزم شريعة الله عملاً ومنهاجًا.