خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

حيلة الأصمعي التي هزم بها الخليفة

clay-leconey-9GM_gXYV--4-unsplash
Clay Leconey-Unsplash

كان الأصمعي شاعرًا مجيدًا، وكان له مكر وحيلة تميز بهما بين أقرانه من الشعراء، إذا كان يتخذ منهما وسيلته للوصول إلى ما يصبو إليه، فقد كان يخالط مجالس الشعراء والأدباء ويصل إلى مجلس الخلفاء والنبلاء والأمراء، فيمدح ويأخذ الهبات، ويجيد في شعره فيصبح من المقربين.

ومن حيل الأصمعي الكثيرة، حيلةٌ استطاع من خلالها هزيمة الخليفة أبي جعفر المنصور. وقد بدأت القصة حينما أصدر الخليفة بيانًا جاء فيه أنه لا يعطي مالاً لشاعر إلا إذا كتب قصيدة كاملة من بنات أفكاره، أما إن كانت من محفوظه لم يعط عنها شيئًا، ثم إنه احتال لذلك بحيلة من عنده، وكان يفعل ذلك حرصًا على أموال الدولة حتى لا تضيع بين أيدي الشعراء، فيكسب رضاهم من ناحية أنه يجزي أفضلهم، ويحافظ على المال فلا يعطي إلا في أضيق الحدود. وقد اشترط أن تكون القصيدة جديدة ومبتكرة، وإذا لم يكن يحفظها أحد قبل الشاعر أخذ من الخزينة وزن القصيدة ذهبًا، فيتم وزن الرقاع للفائز ويأخذ الجائزة ويمضي.

يذهب الشعراء بقصائدهم إلى مجلس الخليفة أبي جعفر المنصور، وينشدون أشعارهم واحدًا بعد آخر، فيقول الخليفة: ولكني أحفظ تلك القصيدة منذ زمن بعيد، فيقول الشاعر: لا يا أمير المؤمين، فيقوم الخليفة بإعادتها على مسامعه مرة ثانية. ثم ينادي بغلامه عنده فيخرج، ويسأله الخليفة هل تحفظ قصيدة كذا وكذا، فيقول نعم. فيطلب منه ذكرها كاملة، فيقولها كما قالها الشاعر. وهنا يتعجب الشاعر، وما يلبث الخليفة أن يعرض عليه شخصًا ثالثًا حافظًا لها، فيزيد من عجبه. وينادي على جارية لديه، فتقول مثل ما قال الغلام. وهنا يطير صواب الشاعر ويخرج من المجلس حزينًا.

وفي السوق يجتمع القوم، فأقبل عليهم الأصمعي، فوجدهم شاكين متبرمين، فقال لهم: ما الأمر. فقالوا: نكتب القصيدة من بنيات أفكارنا، ثم نكتشف أن ثلاثة يحفظونها قبلنا. فتعجب وقال كيف ذلك؟ فلم يعرفوا عن ذلك شيئًا. وهنا قال في نفسه: إن في الأمر مكرًا. وطلب منهم أن يتركوا ذلك له. كان الشعراء يتعجبون من أمر أن كل قصائدهم تكون محفوظة، فقد يحدث التقارب في الأفكار في بيت أو بيتين أما القصيدة كلها فهذا أمر عجيب.

وهنا عكف الأصمعي ليصنع حيلته، وظل ساهرًا طوال الليل يكتب قصيدة، وعندما علم أن مجلس الخليفة قد عقد، إذا به يربط شعره كالقرون، وتخفى في زي أعرابي، وغير من ملامحه، وذلك حتى لا يعرفه الخليفة ويشك في أمره ولا يقبل منه ما جاء به. ودخل على الخليفة حافيًا يجر أذياله، فتعجب منه، وقال له: أتعرف الشروط. فقال: بلى، إن كانت من منقولي لم تجزني عنها شيئًا، وإن كانت من قولي أعطيتني وزن الذي كتبته عليها ذهبًا. فقال له: نعم. وهنا أخذ الأصمعي يحضر نفسه لقراءة قصيدته الطويلة متلونة الموضوعات وذات الصور الغريبة والألفاظ العجيبة، وجاء فيها:

صَوتُ صَفِيرِ البُلبُلهَيَّجَ قَلبِي التَمِلِ

الماءُ وَالزَهرُ مَعًامَع زَهرِ لَحظِ المُقَلِ

وَأَنتَ يا سَيِّدَ لِيوَسَيِّدِي وَمَولى لِي

فَكَم فَكَم تَيَمَّنِيغُزَيِّلٌ عَقَيقَلي

قَطَّفتَهُ مِن وَجنَةٍمِن لَثمِ وَردِ الخَجَلِ

فَقالَ لا لا لا لا لاوَقَد غَدا مُهَرولِ

وَالخُوذُ مالَت طَرَبًامِن فِعلِ هَذا الرَجُلِ

فَوَلوَلَت وَوَلوَلَتوَلي وَلي يا وَيلَ لِي

فَقُلتُ لا تُوَلوِليوَبَيّني اللُؤلُؤَ لَي

وَالعُودُ دَندَن دَنا لِيوَالطَبلُ طَبطَب طَبَ لِي

طَب طَبِطَب طَب طَبَطَبطَب طَبَطَب طَبطَبَ لِي

وَالسَقفُ سَق سَق سَق لِيوَالرَقصُ قَد طابَ لِي

إلى آخر الأبيات التي يصعب حفظها، وهنا لم يستطع الخليفة تذكر شيء إلا القليل منها، فنادى على الغلام، ثم من بعده الجارية، فلم يجد عندهما شيئًا. فطلب من الأصمعي إحضار ما كتبه عليه، فما كان منه إلا أن قال: ورثت عمود رخام من أبي، ونقشت عليه القصيدة، لا يحمله إلا أربعة من الجنود الأشداء، وهو على ظهر ناقتي. فأحضر العمود، وأخذ كل ما في الخزينة من ذهب. وهنا تنبه أحد وزرائه للحيلة، فنادى على الأصمعي وقال أزل اللثام، فرآه الخليفة وتعجب منه، وقال ما دعاك لذلك يا أصمعي: قال يا مولاي أعيد لك الأموال ولكن وسع على الشعراء وأعد إليهم أعطياتهم. فوافق الخليفة، وانصرف الأصمعي منتصرًا وظافرًا بما أراد.