خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

حينما تنعدم الغَيرة في الحياة الزوجية

ID 180130878 © Odua | Dreamstime.com

تمثل الحياة الزوجية رباطًا متجانسًا ومنسجمًا بين طرفين متحابين، يشارك كل منهما الآخر لحظات حياته بحب وصدق ومودة، وتلك الحياة تحتاج إلى المشاعر لكي تنمو وتزدهر، وتختلف المشاعر من أسرة إلى أخرى، فهناك من الأسرة ما تتخ الحب سبيلاً مشمولاً بالثقة والرحمة والمودة، وهناك أسرة تحيا على النقيض من ذلك، إلا أنه في جميع الأحوال يجب أن تكون هناك مشاعر صادقة تعمر قلب الزوجين، وأن يشعر كل منهما بالأمان مع بعضهما، وليس الأمان هنا في الحب وحده، بل في الحب وغيره من المشاعر الأخرى مثل الغيرة والتعاون والإخلاص… وغير ذلك.

تعد الغيرة مشكلة كبيرة اليوم داخل بيوتنا، وهل عامل من عوامل الخراب من جهتين، أولاً: من ناحية شدة الغيرة المهلكة التي تأكل الأخضر واليابس، وتحوّل الحياة الزوجية إلى صراع دامٍ وملتهب، لأنها تمثل قيودًا صعبة على كلا الطرفين أو على أحدهما، مما يولد صراعًا محمومًا فتتحول الأسرة السعيدة إلى ساحة من الخلافات، بما يجعل الحياة الزوجية تمر بمراحل من الحزن والكآبة، وقد يزداد الأمر فتنهار قواعد البنيان ولا يبقى من الأسرة شيء. وثانيًا: انعدام الغيرة بين طرف منهما أو بينهما معًا، وتلك مصيبة كبيرة يتبعها مصائب أشدة قوة منها، إنها المدخل الأكبر للشيطان، والتي تجعل كل منهما لا يحب الآخر بل يمكن أن يفرط فيه بسهولة، فلا يأبه الزوج بزوجه متى جرجت، وأين، ومن قابلت؟ وغيرها من الأمور التي يجب أن تظل قائمًا ترعى الحب والمودة بين قلبيهما. ولذا فإننا هنا نحاول تسليط الضوء على انعدام الغيرة، وما تحدثه من مشاكل داخل الأسرة.

لا يقل انعدام الغيرة في كارثيته عن شدة الغيرة وطغيانها واستبدادها، فكلاهما مهلك، ولعل انعدامها أشد إهلاكًا من وجودها كما سنعلم لاحقًا، قد يعتقد البعض أن هناك مبالغة فيما نقوله، ولكنها الحقيقة التي لا غنى عنها، فبخلو قلبي الزوجين منها يدخلان مسلكًا وعرًا لا نجاة منه، إذ يصطدمان أولاً بانعدام المشاعر وفقد الأحاسيس وتبلد العاطفة، وهذا بدوره ينزع الحياة الزوجية نزعًا ويفتت أركانها.

يضاف إلى ذلك أنه حينما تنعدم الغيرة في الحياة الزوجية، فإن ذلك يكون بداية حقيقية لتخلي كل طرف عن دوره الحقيقي المنوط به، فلم يعد الزوج يخشى على زوجته، بل يترك لها الأمور مفتوحة ومهيّأة لتفعل ما يحلو لها، لأنها أصحبت خارج حساباته، كما أنه يترك لنفسه العنان خارج البيت، وكأنه ضمنًا ينسحب من الحياة الزوجية لتبقى اسمًا فقط أمام الناس، وتتولد المشاعر السلبية وتصبح اللامبالاة وقلة الاهتمام من الأمور السائدة والحاكمة للعلاقة.

إن اتصاف الزوج بتلك الصفة، ألا وهي انعدام الغيرة والبلادة، يعد أمرًا مخزيًا، لأنها بداية الدياثة، ويكفي فيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا يدخل الجنةَ ديوث”، وقد يظن الزواج أنه يحرص على زوجته وإن كان لا يغار عليها، ولكنه واهم، لأن الأحداث تتطور بعض ذلك، فتبدأ بتكشف الملابس وخروج الزوجة دون أن يعبأ بذلك، ثم تمتد رويدًا رويدًا إلى انحلال العلاقة تمامًا، وإلى انسحاب الزوجة إلى منطقة مظلمة لا تعرف بعض ذلك الخروج منها.

إن انعدام الغيرة يجعل الدفء العائلي يرحل مسرعًا، ويخلف وراءه مساحات من الفراغ العقيم لدى كل منهما. لذا كان لا بد على كل منهما أن يعي جيدًا أن الموازنة في المشاعر هي الحل الوحيد فلا إفراط ولا تفريط، لا يصلان للغيرة والشك والعنف والقيود التي تحيل حياتهما إلى جحيم، وفي الوقت نفسه لا يتحولان إلى حجارة صماء خالية من المشاعر والحب والغيرة المحمودة الموجهة للأفعال الحسنة.

إن الغيرة كالملح للطعام، يجب أن توجد بقدر معلوم، لتعطيه الطعم السائغ له، وذلك دون زيادة أو نقصان. وكلما انضبطت المشاعر، زاد الحب والاحترام ومضت الحياة في شكلها الذي أراده الله تعالى للناس.