حُسن الخُلق

homme t-shirt noir, tiens de la terre avec une plante

يعد حُسن الخُلق من مكارم الأخلاق، وقد أولت الشريعة الإسلامية الأخلاق عنايةً خاصة، حتى إن النبي صلى الله عليه وسلم وضّح سبب بعثته ورسالته للعالمين فقال: “إنمّا بُعِثت لأتمّم مكارم الأخلاقِ” (الألباني في السلسلة الصحيحة). فكانت بعثته وكل ما جاء به صلى الله عليه وسلم لإصلاح الأخلاق وإرشاد الناس إلى حُسن الخلق، رغم أنه لم يرسل لهذا فقط، فهناك أبواب العقيدة والعبادات وغير ذلك، لأن الغرض من ذلك كله تحقيق التقوى ومحاسن الأخلاق. وتأتي أهمية الأخلاق باعتباره الصورة الظاهرة التي تظهر للناس، وعلى أساسها يمكن للناس أن يحكموا عليك من خلالها، أما العقيدة فإن محلها القلب والناس لا تطلع على النوايا، لذا فأمرها متروك لله. ولنا أن نتخيل عدد الذين دخلوا الإسلام من غير سيف ولا درع سوى أنهم رأوا حسن أخلاق المسلمين متجسدةً في تعاملاتهم، وأصدق مثال على ذلك انتشار الإسلام في الجزء الشرقي من العالم بفضل حسن أخلاق التجار المسلمين الذين يفدون إلى تلك الديار، فرأينا دولاً كاملة تتحول للإسلام مثل: ماليزيا، إندونيسيا، الفلبين.

كثرت تعاريف حُسن الخلق، غير أنه يمكن أن يوصف بأنه معروف يبذله المرء وأذى يكفه عن الناس مع بسط الوجه، وترك الغضب وانتقاء الفضائل في كل شيء، وترك الرذائل. ومن صفات حسن الخلق شدة الحياء، والصلاح، وترك الأذى، والصدق في القول والعمل، وكثرة العمل، وقلة الحديث، وترك الفضول وكثرة السؤال فما لا يفيد. ويظهر حسن الخلق في قيام الإنسان بأمر المسلمين وحقوقهم، فيحب لهم ما يرجوه لنفسه، ويبغضه له ما يؤذيه ويخشاه، والإنسان صاحب الأخلاق الحسنة، يكون متواضعًا غير متكبر، يوقر الكبير ويعطف على الصغير، يحتوى الآخرين ويبسط لهم القول، ويعرف حقوق الآخرين، ويصاحب المسلمين بالمعروف، ويحسن إلى جميع الناس بكل أديانهم، يمتلك بشاشة الوجه. وقد قال الفضيل ابن عياض رحمه الله: “من ساء خُلقه، ساء دينه، ومن حَسُن خُلُقه حَسُنَ دينه، لأن الدين الأخلاق.

ولحسن الخلق ثمرات كثيرة وفوائد جليلة، منها: يعمل على تماسك المجتمع وإفشاء روح المحبة فيه، لأنه يقلل من الخصومات والأحقاد بين الناس، ويعمل على تطهير الصدور من الغل والحسد والشحناء، قال الله تعالى مبينًا أثر الخلق الطيب: “وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ” (سورة فصلت: 34). كما أن حُسن الخلق يرفع من منزلة العبد ويقربه من ربه ويجعله من عباده المخلصين، ويجلب للإنسان منزلة الصائم القائم، ويقربه من النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، كما أنه يزود الإنسان بالحسنات ويدفع عنه السيئات، وهو باب من أبواب الحصول على محبة الناس وتعاطفهم وكسب ودهم ودعائهم.

ومن الأمور التي تعين على حُسن الخلق، أولاً: مجاهدة النفس على الصب والتحمل، وحملها على البشر والبشاشة في وجوه الناس ومساعدتهم، والإصرار على أن تكون من الصالحين المهتدين. ثانيًا: محاسبة النفس والوقوف أمام أي خلق ذميم يمكن أن يؤدي بالإنسان إلى مناطق مظلمة، مع الإصرار على العودة للطريق الصواب مرة أخرى. وثالثًا: التدبر والتأمل في عاقبة الأمور وما يحدثه سوء الخلق من عواقب. ورابعًا: يجب ألا تيأس من العودة إلى طريق الصلاح، وتعويد النفس على سبل الخير وفعل المعروف، مع تجنب الحزن والعبوس والكآبة، والحرص على بذل الود وطلاقة الوجه. وخامسًا: ألا تقف أمام أخطاء الآخرين، وحاول أن تتخطاها، فهذا يجلب المحبة ويعيد الود، ويبعد البغض والكره والعداوة عن النفس.

إن حسن الخلق من أفضل ما يمكن أن يفعله الإنسان لكسب الدنيا والآخرة في آن واحد، فهو طريق مفتوح للجنة، وطريق مفتوح إلى قلوب العباد، فمن حسُنت أخلاقه فقد فاز فوزًا عظيمًا.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!