خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

خالد بن برمك.. وزير لثلاثة خلفاء

ID 43743596 © Mohamed Ahmed Soliman | Dreamstime.com

مع نشأة الدولة العباسية على أنقاض الدولة الأموية، اتخذ خلفاء بني العباس نهجًا بأن يدمجوا العرب مع العجم في ثوب واحد، ثم بعد ذلك فضلوا العجم وقربوهم إليهم ليكونوا الوزراء والحجاب وكبار القادة، وقد ساهم ذلك في تطور الدولة واتساع نفوذها وعلو مكانتها في بداية الأمر، وإن ظهرت منه أمور أخرى بعد ذلك، وكان لكل خليفة رجاله المفضلون، ونقف هنا عند واحد من هؤلاء الرجال، إنه خالد بن برمك، والذي كان في أول أمره يختلف إلى محمد بن علي، ثم إلى إبراهيم بن محمد الإمام من بعده، فلما تولى أبو العباس السفاح الخلافة، أدناه محمد بن صول محمولاً، لمرض كان لخالد، فبايعه، وأعجبته فصاحته، وظنه من العرب، فقال: ممن الرجل ؟ فقال: مولاك يا أمير المؤمنين! قال ممن أنت يرحمك الله ؟ قال: من العجم، أنا خالد بن برمك، وإني وأهلي في موالاتكم والجهاد معكم.

ومن ثم فقد أُعجب به أبو العباس، وأقره على ما كان بين يديه من الغنائم، ثم ولاه بعد ذلك ديوان الخراج، وديوان الجند، فظهر أثره بين الناس. وما زال يتصاعد في مناصبه إلى أن صار وزيرًا لأبي العباس، بعد أبي سلمة الخلال، فكان يعرض الكتب عليه، ويكتب عنه، وينظر في أعمال أصحاب الدواوين.

وقد حكى الجاحظ في رسالته في الوعد والإنجاز، قال: “وحدثت عن خالد بن برمك وكان كاتبًا لأبي العباس أنه كتب في أول ما أُنشئت الكتب إلى العمال: وكتب في سنة الخير، يعني أنه خير للإسلام وأهله في إفضاء الخلافة إلى أهلها؛ وكان بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، يؤرخ بسنة الحزن، وهي السنة التي قتل فيها عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقيل لخالد: لو تركت هذا التاريخ ورجعت إلى ما عليه الناس! فقال: “إني رأيت الناس قد قتلهم خلف المواعيد يريد في آخر دولة بني أمية فأحببت أن يسكنوا إلى هذا التاريخ، وترجع إليهم نفوسهم!”.

لقد ارتفع خالد بن برمك مراحل متتابعة، ووصل إلى مرتبة مهمة في دولة بني العباس لم يكن هو نفسه يحلم بها يومًا، ظل يترقى حتى أصبح وزيرًا لأبي العباس السفاح، وهو أول خلفاء دولة بني العباس. قال الصولي: وتوفي أبو العباس، وخالد لا يزال وزيره، وظل كذلك مدة من بداية خلافة أبي جعفر المنصور، حتى غيّره بأبي أيوب المورياني، وبقي خالد واليًا لديوان الخراج فقط؛ ويقال إنه أول من تولى أمر هذا الديوان، ثم ولي حرب فارس وخراجها. أي أن الخليفة المنصور لما أخذ منه الوزارة ومنحها غيره، لم يتركه عبثًا بل ولاه على جمع أموال الخراج، وظل ينتقل من ولاية إلى آخر، ولم يستقر في ولاية حتى توفي المنصور، وكان خالد وقتها على خراج الموصل ونواحيها، فأقره المهدي عليها حين تولى الخلافة، وزاده ثم ولاه فارس وأعمالها، فأخرج خالد ابنه يحيى إليها. وسعي به إلى المهدي فطالبه بمال عظيم رفع إليه، فباع أكثر ما يملك فيه، ثم بلغته حقيقة أمره، فأسقط عنه البقية، وأشخصه مع الرشيد إلى الغزو، فانصرف عليلاً، فوجه الخليفة المهدي ابنه الهادي يزوره ويطمئن عليه.

لقد نهض خالد بن برمك بكل المهام الموكلة إليه بشكل يفوق الوصف، ولم يتبرم أو يأنف من الانتقال من ولاية إلى أخرى، بل على العكس، فقد كان حريصًا على ما يقوم به من أعمال، لذا نال ثقة ثلاثة من خلفاء بني العباس، ولم يخلعه واحد منهم إلا وقام بوضعه في موضع يجيد فيه، ودل ذلك على همة خالد وحسن طويته وخدمته للدولة الإسلامية في تلك الفترة، ولم يكتف بذلك بل وضع نصب عينيه أهدافًا أكثر سموًا ورفعة وسعى دومًا تحقيقها.