خدعة عمرو بن العاص مع قطاع الطرق

anis-coquelet-LanJEVFzxPw-unsplash
Anis Coquelet-Unsplash

نأخذ من أحداث التاريخ العبرة والمثل، ونلتمس منه الخبرة والتزود بالمعرفة والحكمة. وهناك نظريتان تتجاوران معًا، الأولى تقولإن التاريخ لا يتكرر أبدًا، ويقصد بها أن أحداث التاريخ ستظل حاضرة في الذاكرة لكنها لن تتكرر بظروفها وواقعها، لأن الأحداث منفصلة عن بعضها بعضًا. أما الثانية فترى أنالتاريخ يعيد نفسه، ويقصد بها أن التاريخ يمكن أن يعيد التفاصيل بذاتها ووقائعها كما هي مرة بعد أخرى، والحقيقة أن النظريتان يمكن أن نلمس لهما واقعًا ملموسًا على أرض الواقع، فكثيرًا ما رأينا أحداث كثيرة متشابهة لكنها مختلفة، وعلى العكس رأينا أحداثًا متطابقة في سيرها ونتائجها.

يعتبر الدهاء والفطنة من الأمور التي اشتهر بهما العرب، ومن بين من تميزوا بالدهاء والفطنة الصحابي الجليل عمرو بن العاص الذي كانت له مواقف دالة على الدهاء والحنكة، وسرعة البديهة وحسن التصرف، ونذكر منها هنا ما يعبر عن فراسته رضي الله عنه وأنه لم يكن رجل قتال وحسب، بل امتلك حسًّا ودهاءً مكنه من خوض غمار المصاعب دون وجل.

كان عمرو بن العاص رضي الله عنه بارعًا في القتال، وفي الوقت ذاته بارعًا في تصريف الأمور، والخداع، ومن استعمال الحيلة في الموقف أو الحروب. ومما يروع عنه رضي الله أنه كان ذات يوم عائدًا إلى المدينة المنورة، وكان وحيدًا بمفرده، وإذا به يواجه بجماعة من قطاع الطرق، فأخذ زعيمهم بمجمع ثوبه رضي الله عنه، لكنه لم يكن معروفًا لديهم، وكانت حيلته السرقة والقتل معًا، حتى لا يتركوا لجريمتهم أثرًا، فلما أحس عمرو بن العاص رضي الله عنه بذلك، استخدم الحيلة وقال لهم: “توقفوا، إن قتلتموني بالسيف متنا جميعًا“.

وهنا تعجب اللصوص من ذلك، وسأله عن سبب ذلك الأمر، لأنهم لم يسمعوا به من قبل، فقال: “إن بي داءً، فإن انتشر دمي، يموت كل من حولي، وهنا تعجبوا أكثر ووقفوا حائرين في قتله، فباغتهم قائلاً: “وما أتى بي وحدي إلى هنا إلا أني أردت الذهاب لمكان لا يكون فيه أحد، فأموت وحيدًا وأوقف المرض اللعين عن العرب“. وهنا أحسوا بأن الأمر حقيقي ولازم،  وإنهم إن قتلوه حقًا وقعت الكارثة بهم، ثم إنه أردف قائلاً ليؤكد ما ذكره دونما لبس أو غموض: من أمسكني منكم بيده؟ فأشاروا بأيديهم نحو زعيمهم، وفي تلك اللحظة ارتفع صوته ثانية وبدأ في الصراخ فيهم: “لا أبرح مكاني حتى يذهب معي، فقد مسه الداء“. وهنا تيقنوا من كلامه، ودب الخوف في قلوبهم منه، وتراجعوا للوراء تاركين زعيمهم بين يديه، وكانوا يعلمون بطش زعيمهم وأنه لن يتوانى عن إلحاق الضرر بهم، وأنه لا شك مصاب بالعدوى، فولوا هاربين.

أصبح زعيم قطاع الطرق وحيدًا مع عمرو بن العاص رضي الله عنه، وهنا تعادلت القوة، وأصبح من الممكن التغلب عليه، لذا قال له رضي الله عنه: الآن سأريك ما الداء، ألا وهو الذكاء، أي أن الداء لم يكون موجودًا أصلاً، بل هو فطنة التخلص من الموقف والخداع الاستراتيجي الذي قمت به معكم. وأشار إليه بحكمة مفادها: أنه يخشى أن يتحول قاطع الطريق أكثر ذكاءً منه لما رأي من فطنته وحنكته فيضر الناس أكثر وأكثر، فلا يقع في يديه من أحد إلا وقام بقتله، ولا يأمن الناس في الخروج من بيوتهم. وفي تلك اللحظة هجم عمرو بن العاص عليه بعد أن جعله واقفًا لا يدري ما يصنع، مفكرًا في تلك الخُدعة الذكية، ودار القتال حتى أجهز عليه واستكمل طريقه آمنًا إلى المدينة سالمًا.

توضح لنا تلك القصة مدى الذكاء الذي تحلى به عمرو بن العاص رضي الله عنه، وكيف استطاع تخطي الصعاب من خلال خديعته التي لم تكن تخطر على بال أحد من قطاع الطرق، فأنجاه الله بها من بين أيديهم.

هل لديك استفسار؟

تواصل معنا!