خصائص شعر المهجر

فن محمود أبوقُورة
شعر المهجر
Photo by Ekrulila on Unsplash

شعر المهجر يقصد به ذلك الشعر الذي أنتجه كوكبة من الشعراء العرب المهاجرين إلى قارتي أمريكا الشمالية والجنوبية. حيث أنتجوا أدبًا جديدًا يجمع بين خصائص الشرق وملامح الغرب. لقد تعرض هؤلاء الشعراء والأدباء لنوع من الاضطهاد السياسي في بلادهم، وعانوا من الفقر المدقع. والصراع المذهبي والطائفي. إضافةً إلى حزنهم الشديد على الوضع القائم في بلادهم.

الأمر الذي حَدَا بهم في النهاية إلى الهجرة المنظمة في مناطق جديدة من العالم؛ كي تكون متنفسًا لهم. وقد بدأت تلك الهجرة في منتصف القرن التاسع عشر. وامتدت حتى منتصف القرن العشرين. وقد تكونت في المهجر رابطتان أدبيتان؛

الأولى: الرابطة القلمية في أمريكا الشمالية، حيث تأسس بنيويورك في عام 1920 م، وترأسها كل من: جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة، وإيليا أبو ماضي. والثانية: العُصبة الأندلسية في أمريكا الجنوبية، حيث تأسست في البرازيل في عام 1933 م، ومن أبرز أعضائها: رشيد خوري، وإلياس فرحات.

خصائص شعر المهجر

تميزت حركة شعراء المهجر بمجموعة من الخصائص الفنية والموضوعية التي ميزتهم عن غيرهم. فقد خرج شعرهم من رحم المعاناة والاغتراب. وقيل في بيئة غير بيئتهم التي نشأوا فيها، وقد اختلطوا هناك بقوميات متعددة وعايشوا طبائع مختلفة. ومن أبرز سماتهم الشعرية:

أولاً: الحنين إلى الوطن:

مثَّل الحنين إلى الوطن نهجًا عند شعراء المهجر، فهم مبعدون عن أوطانهم. ويشعرون بحنين جارف إلى أوطانهم. ولذا فقد انتقل هذا الشعور إلى شعرهم، فعبروا عن خلجات النفس وشغفهم برؤية الوطن والدفاع عنه. وتذكر أيامهم فيه. وتعبيرهم عن افتقادهم لروح الشرق ودفئه وطبيعته المميزة.

ثانيًا: التأمل الوجداني:

ومن من أهم خصائص شعر المهجر، فقد قاموا بتحليل النفس البشرية ووصفوها بدقة، من أجل الكشف عما تحويه من مشاعر وأحاسيس، كما أنه كانوا دائمًا يرغبون في تحقيق مُثل عليا خالدة.

ثالثًا: الابتعاد عن المباشرة والخطابية:

حاول شعراء المهجر الابتعاد عن أسلوب الخطاب المباشر، أو التعبير عن حالتهم بصورة إنشائية أو طلبية. بل كان شعرهم يميل إلى الهمس في مخاطبة الآخر، مما أكسب شعرهم سهولةً في الوصول إلى المتلقي، وجمالاً فنيًّا ملموسًا.

رابعًا: اشتمل شعرهم على النزعة الإنسانية:

إذ كان من خصائص شعرهم التركيز على النزعة الإنسانية حول موضوعات الخير والحب والبحث عن نُصرة المظلوم، وقد ترسخت لديهم رغبة عارمة في تحقيق العدل والمساواة وحب الخير، ونشر المثل العليا والإنسانية، والدعوة إلى إنشاء رابطة إنسانية تجمع الناس تحت لوائها (وقد دعا إليه جبران خليل جبران).

خامسًا: اشتملت أشعارهم على نزعة التشاؤم:

نتيجة البعد عن الوطن فإن الحياة كانت قاسية عليهم، وقد أورثهم هذا بعض التشاؤم واليأس والقلق النفسي. والذي تسرب بعد ذلك إلى أشعارهم. وقد كانت نظرتهم للحياة الغربية وللحضارة هناك، تشتمل على بعض التشاؤم، ولكن هذا لا يُقصد منه أن روح التفاؤل قد ماتت لديهم، بل إنهم أحيانًا كانت تظهر لديهم تلك النزعة بسبب البعد عن الوطن، وما يجدونه في أنفسهم من شوق وحنين لبلادهم.

سادسًا: محاورة الطبيعة:

من خصائص شعر المهجر الامتزاج بالطبيعة ومحاورتها، لكي يبثوا إليها شكواهم، محاولين التخلص من مشاعرهم المتضاربة، مثل: الحزن والفرن، الشوق والقلق، الحنين والخوف. الأمر الذي ساعدهم على الابتعاد عن الصخب الحياتي، وأشعرهم بالسعادة والراحة.

ولذا فإن الغاب لديهم قد تحول إلى رمز شعري يعبر عن الحب والصدق، لأنه يناقض حياة القصور الزائفة والمليئة بالصخب. كما أنه يرمز للحياة العربية في أبسط صورها وتجلياتها. لقد رأت مدرسة المهجر أن “الغاب” معلم فاضل يقدم تهذيبًا للنفس ويساعد على النمو بشكل طبيعي. وإجمالاً فإن مدرسة المهجر قد خلفت لنا إرثًا شعريًّا أصيلاً نابعًا من تجربة حقيقية عايشها هؤلاء الشعراء بعيدًا عن أوطانهم. وأحسبُ أنها كانت تجربة صادقة إلى حد كبير أو على الأقل صادقة في عمقها وفي موروثها الشعري والأدبي.