خدمات ويب تمتثل للشريعة الإسلامية. اكتشف المزيد

خطر الشائعات على البيوت والمجتمعات

© Paulus Rusyanto | Dreamstime.com

كان هناك رجل ذات يوم يعيش في حي من الأحياء، لكنه لم يكن صادقًا وكان يروي الحكايات والأخبار ويذيع في الناس الهلع والذعر، وذات يوم جاءته فرصة الانتقال إلى حي أكثر جمالاً وثراء مما هو فيه، لكنه بدأ باستعمال حيلته القديمة، وبدأ في نشر الأخبار الملفقة والأكاذيب، حتى إنه قال لهم إن إدارة الحي ستقوم بهدم هذا الحي قريبًا، فسأله الناس لمَ؟ فقال لأن الأرض بها آثار ومقتنيات ذهبية وكنوز. وبدأ الناس في حفر بيوتهم، وأخذت إدارة الحي تعرف أن هناك من يعبث بالحي، فأخذت تراقب الناس وترصد حركاتهم، لكن بعد المقتنعين بالفكرة يذهبون إلى إدارة الحي لإصدار رخصة إحلال وتجديد لمبانيهم التي لم يمض على إنشائها عشر سنوات. وفي خلال سنة من دخول الرجل إلى الحي كان هناك أكثر من سبع عمارات على الأقل قد تم هدمها دون أن يصلوا إلى الكنوز التي يبحثون عنها. وفي ظلمات الليل باع الرجل الدخيل ما يملك لبعض التجار ورحل إلى حي آخر.

إن تلك القصة تعبر عن خطر الشائعات وكيفية انتشارها، وتحولها إلى خطر يهدد البيوت والمجتمعات الآمنة. فالشائعة تبدأ ببعض الكلمات الكاذبة المجافية للحقيقة ثم تزيد من واحد إلى آخر للتحول في النهاية إلى كارثة مجتمعية خطيرة.

فالشائعة إذن هي شيء يمكن أن يكون فيه شيء من الصحة، غير أنه من خلال الكذب يكبر ويتحول إلى شيء آخر لا يتوافق مع الواقع الحقيقي. فالإنسان الذي يدعى أن هناك شيئًا سيحدث يوم كذا أو كذا، يرهب المجتمع بشيء لا علم له به، فيساعد على تدخل الآخرين في سرد الأخبار أو القصص، فتحدث زيادة في الكلام بين كل مرحلة وأخرى، وبذلك تحدث بلبلة بين أفراد الأسرة الواحدة، وما تلبث أن تنتقل إلى الآخرين في المجتمع، فيعيشوا في ضوء الشائعات ويتغذون عليها.

وتتمثل خطورة الشائعة على الفرد في أنها تمثل نوعًا من الكذب والتضليل، ونشر الفتنة دون تحقق، وهذا خطر عظيم، فالفتنة أشد من القتل، وهي تدمير لشخصية الإنسان وجعله عديم القيمة، ينقل عن الآخرين كل ما يسمع ويضيف إليه دون روية، وكفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما يسمع.

وتعمل الشائعات على تمزيق كيان الأسرة الواحدة، فمن الشائعات ما أودت بحياة أفراد أسرة كاملة، فمثل عندما ينشر أحد الناس أن فلانة تقع في الفاحشة مع فلان، إن تلك الشائعة كفيلة بأن تجعل الزوج يقتل زوجته، وإذا تمكن من الرجل الآخر سيقتله أيضًا، وبعدها يدخل إلى السجن، ويتشرد الأولاد من بعد الأب والأم، ليس من أجل شيء حقيقي سوى كلمة انطلاقة كالسهم وتحولت لشائعة تداولها الناس. وتلك من المصائب التي يعاني منها مجتمعنا اليوم، ألا فليتقِ الله كل من يقدم على ذلك، فإن ذلك من أبواب الهلاك في الدنيا والآخرة.

وتعد الشائعات وانتشارها من أسباب تدمير المجتمعات وضياع الأمم، فإذا غلب على المجتمع تلك الصفة، فإنها تصبح على درجة عالية من التشاحن والبغض وكراهية بعضهم بعضًا. لا أحد في المجتمع يود الخير لغيره، تجد القلوب ممتلئ غيظًا، فهذا يقول إن فلان يتحدث عني بشيء لم أفعله، وذاك يروي أن فلانًا قال عنه شيئًا لم يقله. تصبح البنية الاجتماعية في ظل وجود الشائعات مهترئة إلى أبعد الحدود.

وتستخدم الشائعات في زماننا باعتبارها إحدى ألاعيب عالم السياسة، فكل حزب يود تشويه غريمه الآخر، ومن ثم يبدأ الناس بنشر الشائعات بغير وجه حق عن بعضهم بعضًا، فتحدث الفتنة في المجتمع ويصبح الناس كارهين لهذا الجانب من الحياة، وربما اعتزل ألمع السياسيين حياتهم السياسية بسبب ذلك الأمر. وقد وصل الأمر الآن إلى أن انتشار المراكز الإعلامية التي تحارب الشائعات وتنشر الحقائق، وقد إن دل فإنما يدل على ضياع الأمة في بحر عميق من الشائعات، وبالأخص مع انتشار الميديا الحديثة ووسائل التواصل الاجتماعي.